رسائله واجتهاداته
كتب الشيخ ما لا يقلُّ عن ثمانين مؤلفاً في مختلف المواضيع، تمَّ جمع أغلبها في كتاب: «مجموعة رسائل وخطب الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود» الذي طُبع عدة مرات، آخرها طبعة وزارة الأوقاف القطَرية في ثمانية مجلدات، وله بعض الأعمال التي لم تصدر.
وكانت أول هذه الرسائل صدوراً هي رسالة: «إدخال الإصلاح والتعديل على معاهد الدين ومدارس التعليم» ثم تلتها رسالته: «يُسر الإسلام في أحكام حج بيت الله الحرام» التي أفتى فيها برمي الجمار قبل الزوال وفي الليل والتي أثارت ضجة كبيرة في حينه.
يقول رحمه الله في مقدمة كتابه «الحكم الجامعة»: «إن لكلِّ إنسان حاجة، ولكل حاجة غاية، وما حاجتي من مؤلفاتي إلا الدعوة إلى دين ربي، ونصيحة أمتي بالحكمة والموعظة الحسنة؛ ابتغاء الثواب من ربي، والدعاء من إخواني؛ إذ هذه أمنيتي وغاية بغيتي ورغبتي، والله عند لسان كل قائل وقلبه».
كما يضيف رحمه الله «هذا وإنني لم أُخرج رسالة علمية ذات أهمية إلا وأنا متحقق من حاجة المجتمع إليها، وإلى التنبيه على مدلولها، وكونها من المبتكرات التي لم يُسبق إليها، وكم ترك أولٌ لآخر».
وقد تنوعت رسائله بين التوجيهات والنصائح في الأمور اليومية التي تدور عليها الحياة في المجتمعات، ودعوة التوحيد الذي عليه عماد الإيمان، ومحاربة البدع والآراء المخالفة للشرع، وكان ينهج منهجاً لا يتقيد فيه بآراء المذهب فقط، بل ينظر إلى قوة الدليل، ويدعم رأيه بحصيلةٍ واسعةٍ من الآيات والأحاديث وأقوال الفقهاء.
كما كان لخبرته في القضاء أثرها في بعض رسائله، التي يُسهل فيها على الناس حلَّ بعض المشاكل في الشؤون الزوجية أو الطلاق أو التأمين على السيارات أو غيره.
وقد يأتيه استفتاءٌ من إحدى الجهات، فيؤلف فيه رسالة رداً على ذلك، كما فعل في رسائله: «جواز الاقتطاف من المسجد أو المقبرة»، ورسالته حول إباحة السكنى في حجر ثمود، ورسالة «اجتماع أهل الإسلام على عيد واحد كل عام»، والتي ورد الاستفسار عنها من رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة بإيعازٍ من الملك فيصل - رحمه الله - وقد ألَّف في كل موضوعٍ رسالةً مستقلةً.
وقد يؤلف كتاباً لمناقشة مسألةٍ مطروحةٍ، كما حدث في فتنة المهدي في مكة المكرمة، فقد تزامن حدوثها مع عقد مؤتمر السيرة والسنة النبوية في الدوحة، وكان فضيلته قد أعدَّ بحثاً عن السنة المطهرة، وكونها شقيقة القرآن، وقصد أن تكون موضوعاً لخطبته، ولكنه غيَّر ذلك إلى الكلام حول المهدي المنتظر، وناقش مدى صحة الأحاديث الواردة فيه، وانتهى إلى ضعفها، ألقاه على الحضور في المؤتمر فنال استحسانهم، وألَّف بعد ذلك رسالته: «لا مهدي يُنتظر بعد الرسول محمدص خير البشر».
وعندما رأى كثرة الأضاحي عن الأموات في مناطق نجد والخليج وما جاورها، أعدَّ رسالةً سماها «الدلائل العقلية والنقلية في تفضيل الصدقة عن الميت على الضحية»، وأثارت عليه بعض الردود، فردَّ عليها بكتابه «مباحث التحقيق مع الصاحب الصديق».
كما كتب فضيلته العديد من الرسائل في التحذير من البدع والانحراف عن واجبات الدين، وكتب حول الأمور الواقعة في حياة المجتمعات الإسلامية، فحذَّر من الخمور، والربا، والتبرج، والاختلاط والتزوج بالكتابيات وأثره على النشء، والأفلام الخليعة، والتلقيح الصناعي، وتحريم نكاح المتعة، وغيرها.
كما ألَّف في تصحيح عقائد المسلمين، ككتابه حول بدعة الاحتفال بالمولد، والإيمان بالقضاء والقدر، وكتاب: «عقيدة الإسلام والمسلمين»، ورسالة: «الإصلاح والتعديل لما وقع في اسم اليهود والنصارى من التبديل»، ورسالة: «وجوب الإيمان بكل ما أخبر به القرآن من معجزات الأنبياء»، ورسالة: «تحقيق البعث بعد الوفاة»، وتحذيره من «انحراف الشباب»، ورسالته حول «واجب المتعلمين والمسؤولين في المحافظة على أمور الدين»، كما ناقش في بعض مؤلفاته مسائل فقهية هامة؛ «كجواز تحويل المقام»، وحكم «اللحوم المستوردة وذبائح أهل الكتاب»، وحكم «الطلاق السني والبدعي»، وقضية «تحديد الصداق»، و«الحكم الشرعي في إثبات رؤية الهلال»، وكتاب «الصيام وفضل شهر رمضان»، و«الجهاد المشروع في الإسلام»، وغيرها من المواضيع التي تعالج مشاكل في الحياة اليومية للفرد، وتهدف إلى تصحيح المفاهيم ورفع الحرج عن مجموع الأمة.
يقول الشيخ حسن خالد مفتي لبنان السابق رحمه الله عندما قرأ رسالة: «الطلاق السني والبدعي»: جزى الله ابن محمود خيراً، لقد حلَّ لنا بهذه الفتوى مسائل عويصة في الطلاق، يعاني منها المجتمع اللبناني والمجتمع الشامي عموماً، وسوف نقوم بتطبيقها في محاكمنا، ولا نملك جميعاً إلا أن ندعو له الله بالسداد والتوفيق وطول العمر، فما أحوج أمتنا إلى مثله فقيهاً متبحراً وبصيراً. (روايةً عن د. يوسف عبيدان القائم بأعمال سفارة قطر في بيروت سابقاً).
ويقول الشيخ محمد الغزالي: «..والشيخ عبدالله بن زيد آل محمود رجلٌ ثاقب الفكر، يبحث عن الحق بإخلاصٍ، ويستعين على معرفته بثروةٍ طائلةٍ من الخبرة بكتب الأولين، فإذا اهتدى إلى حكم ينفع الأمة جهر به دون وجلٍ، ودافع عنه بأصالةٍ، وقد قرأت له جملةً من المسائل التي تعرض الفقه الإسلامي عرضاً يناسب العصر، لا استرضاءً للمعاصرين، ولكنها رحابة أفق في فهم الدين».
ويقول الشيخ مهنا بن سلمان المهنا القاضي بالمحكمة الكبرى بالرياض: «وللشيخ أسلوبٌ متميزٌ في التأليف والكتابة؛ إذ يعنى إلى جانب المضمون بمحسِّنات اللفظ من سجع وجناس وصوَر وأخيلة، مع تدبيجه بالجيد من الشعر والآثار العربية، حتى يصل إلى القلوب سلساً رقراقاً، يجد القبول في النفس والانشراح في الصدر».
