توسط (واو العطف) بين الإسلام والإيمان
قد أشكل على بعض العلماء، توسط واو العطف بين الإسلام والإيمان في حديث جبريل عليه السلام، وكما في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]، فظنوا أن واو العطف في الحديث، وفي الآية، تقتضي المغايرة، وبنوا على ذلك أن المسلمين غير المؤمنين، وهذا غير صحيح، فإن هذه عطف صفات، يجوز أن تتفق وتجتمع في موصوف واحد لا يتجزأ.
أما رأيته كيف عطف الصائمين على المسلمين، ولا إسلام بدون صيام، ومن استباح ترك الصيام كفر؟
وقال البغوي في شرح السنة: قد جعل النبي ﷺ الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك؛ لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو أن التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل للجملة، وأنهما كالشيء الواحد، وجماعهما الدين. فعطف المؤمنين على المسلمين في الآية، وكذا عطْف الإيمان على الإسلام في حديث جبريل، هو نظير عطف الأعمال الصالحات على الإيمان بالله في كثير من الآيات. كقوله: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٞ ٩﴾ [المائدة: 9]، وقوله: ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ﴾ [البقرة: 25]، وقوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ خَيۡرُ ٱلۡبَرِيَّةِ ٧﴾ [البينة: 7]. وقوله: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ ١ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ ٢ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ ٣﴾ [سورة العصر]، لكون الإيمان: اعتقاد القلب. والأعمال الصالحة عمل الجوارح، ولا بد من اتفاقهما في صحة الإسلام والإيمان.
وقد قلت: إن الإسلام بمثابة رأس الإنسان؛ لأن رأس الأمر الإسلام، والإيمان بمثابة القلب، فهما في جسم لا يتجزأ، يمد أحدهما الآخر بالصحة، أو السقم، أشبه الروح مع الجسد. وإذا بطل عمل أحدهما بطل الآخر، فكما أنه لا يوجد جسد إنسان بلا روح، فكذلك لا يوجد إيمان بدون إسلام، فهما متلازمان، لا يفترقان. وأجمع كلمة تقال في التعريف بالإسلام وبالإيمان: أنهما قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، أخذها الناظم، فقال:
إيماننا قول وقصد وعمل
يزيد بالتقوى وينقص بالزلل
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتاب الإيمان: إن اسم الإيمان المطلق، هو بمثابة اسم الدين، فهو يشمل فعل الأوامر وترك النواهي... انتهى.
وقد أشكل على بعض العلماء قوله سبحانه: ﴿۞قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيًۡٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤﴾ [الحجرات: 14]. فاستدل بهذه الآية من يرى أن الإسلام غير الإيمان، وأن المسلمين غير المؤمنين. وهذه الآية نزلت في أعراب الجزيرة، لما غشيهم جنود الصحابة، وخافوا أن يستأصلوهم بالقتل، أقبلوا وهم يقولون: آمنا آمنا. قبل أن يعرفوا الإيمان، وقبل أن يدخل الإيمان في قلوبهم، وإنما قالوا: آمنا خوفًا من السيف؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ﴾ -إلى حد الآن- ﴿وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا﴾ - أي استسلمنا - ﴿وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ﴾ -أي إلى حد الآن- وعسى أن يدخل بعد حين، لأن (لمّا) تستعمل لنفي الحال فيما عسى أن يقع.
وقد ترجم عليه البخاري في صحيحه. بما يقتضي تفسيره وتوضيحه، فقال:
(باب)
إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام، أو الخوف من القتل؛ لقول الله تعالى: ﴿۞قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡ﴾ [الحجرات: 14] وإذا كان على الحقيقة فهو مثل قوله: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾ [آل عمران: 19].
ثم ذكر حديث سعد، وهو أن النبي ﷺ أعطى رجالاً ولم يعطِ رجلاً، قال سعد، فقلت: يا رسول الله، ما لك عن فلان؟ فوالله إني أراه مؤمنًا. فقال: «أَوْ مُسْلِمًا» قال: ثم غلبني ما أجد، فقلت: يا رسول الله. مالك عن فلان. فوالله إني أراه مؤمنًا. فقال: «أَوْ مُسْلِمًا». ثم قال: «إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ الْعَطَاءَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ».
فالنبي ﷺ أحب من سعد أن يقول: إني أراه مسلمًا. فيصف هذا الرجل بأعماله الظاهرة المشاهدة، بخلاف وصفه بالإيمان الذي هو من أعماله الباطنة، والذي لا يطلع عليه إلا الله.
وهذا من حسن الأدب في التعبير، والنهي عن الغلو، والإفراط في المدح. وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال في صفة الأمانة: «يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ، مَا أَظْرَفَهُ، مَا أَعْقَلَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ...» أو كما قال.
ونظير هؤلاء الأعراب قصة بني جذيمة، حين غشيهم خالد بن الوليد، بجنوده، فأقبلوا يقولون: صبأنا.. صبأنا. ولم يحسنوا قول: أسلمنا. فقتلهم خالد، فبلغ النبي ﷺ مقالتهم وقتلهم، فقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ».
إن الأعراب الذين مردوا على الشرك، وعبادة الأوثان، وإنكار وجود الرب، والتكذيب بالبعث بعد الموت، وبالجنة والنار، فهم كما أخبر الله، بقوله سبحانه: ﴿ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٩٧﴾ [التوبة: 97]. فهم يحتاجون في دخول الإيمان في قلوبهم إلى وقت يعرفون فيه حقيقة الإيمان، والعمل به، حتى تدخل محبته في قلوبهم، غير وقت الإكراه بالسيف.
ولهذا سرعان ما ارتدوا عن دين الإسلام بعد موت النبي ﷺ لعدم دخول الإيمان في قلوبهم، الذي ينجم عنه الثبات على الإسلام، والاستقامة على صالح الأعمال.
وكل من تأمل القرآن، فإنه يجده مملوءًا بقرن الإيمان بصالح الأعمال، لكونه لا ينفع إيمان بدون عمل، كما أنه لا ينفع عمل بدون إيمان. يقول الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ﴾ [البقرة: 25].
وقال: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٨٢﴾ [البقرة: 82]، وقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ خَيۡرُ ٱلۡبَرِيَّةِ ٧﴾ [البينة: 7] وقال: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ ١ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ ٢ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ ٣﴾ [سورة العصر] وقال: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ٦﴾ [التين: 6].
وهكذا في كثير من الآيات يشق إحصاؤها قُرن الإيمان بالعمل، فعطف الأعمال الصالحات على الإيمان، هو نظير عطف المؤمنين على المسلمين في قوله: ﴿إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35].
ومثله حديث جبريل في صفة الإسلام، ثم صفة الإيمان، أشبه عطف الأعمال الصالحات على الإيمان في كثير من الآيات، لكون الإيمان هو اعتقاد وعمل، فلو أن رجلاً قال: أنا أؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، وأن الجنة حق، وأن النار حق، ولكني لا أصلي، ولا أصوم، ولا أؤدي الزكاة... فإن هذا هو الكافر حقًّا، ولا ينفعه هذا التصديق بدون عمل بموجبه؛ لأنه يعتبر بأنه مكذب لإيمانه.
وبعكسه، لو رأينا إنسانًا يحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها، ويؤدي الزكاة الواجبة، ويصوم رمضان، ويفعل سائر شرائع الإسلام، ولكنه ينكر وجود الرب، وينكر وجود الملائكة، ويكذب بالبعث بعد الموت ويكذب بالجنة والنار، فإن هذا كافر قطعًا، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ ١٨﴾ [إبراهيم: 18]. وقوله: ﴿وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣﴾ [الفرقان: 23].
لكون الشرك محبطًا لسائر الأعمال الخيرية، لكن الكافر متى عمل حسنة أطعم بها في الدنيا من صحة حال، وتكثير مال وعيال، وليس له في الآخرة من نصيب. وأما المؤمن فيطعم بحسنته في الدنيا، ويدخر ثوابها في الآخرة، فيحصل الحسنتين، ويفوز بالسعادتين. والمنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار، كانوا يعملون أعمال الإسلام الظاهرة، ولكنهم يبطنون الكفر والنفاق، فعاملهم الرسول كمعاملة المسلمين المؤمنين في النكاح، والتوارث، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى.
والمقصود أن الإسلام والإيمان أنهما في الشخص جزء لا يتجزأ، أشبه الروح والجسد، فلا إسلام لمن لا إيمان له، ولا إيمان لمن لا إسلام له. وقد قال أبو طالب المكي: مثل الإسلام من الإيمان كمثل الشهادتين، إحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم. فلو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ولا أشهد أن محمدًا رسول الله؛ لم يصح إسلامه، ولو قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ولا أشهد أن لا إله إلا الله لم يصح إسلامه أيضًا. إذ إحداهما مرتبطة بالأخرى كشيء واحد.
وأما تفرقة النبي ﷺ في حديث جبريل بين الإسلام والإيمان، فإن ذلك تفصيل لوظائف أعمال الجوارح والقلوب، على ما توجبه هذه المعاني على كل شخص. فحرف الواو المتوسطة بين الإسلام والإيمان، هو حرف عطف صفات تتفق في موصوف واحد بدون اختلاف وتضاد، فليس فيها دليل على أن الإيمان والإسلام مختلفان في الحكم، إذ إن الإيمان بالقلب لا ينفع إلا بالإسلام بالجوارح، وإسلام الجوارح لا ينفع إلا بالإيمان بالقلب، أشبه الرأس والقلب، فلا يوجد شخص برأس دون قلب، ولا بقلب دون رأس. فهذه الواو المتوسطة بين الإسلام والإيمان في حديث جبريل، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]، هي نظير الواو في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ خَيۡرُ ٱلۡبَرِيَّةِ ٧﴾ [البينة: 7].
