في ذكرى هذا العالم الجليل

يوسف أحمد البنعلي

ترددت كثيرا قبل الكتابة عن هذا العالم الجليل والفقيه المحدث العلامة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود تغمده الله بواسع رحمته.

ترددت لأننا لو سطرنا عن هذا الشيخ أسفارا فلن نوفيه حقه فكيف بمقال صغير في صحيفة وهو الذي أرسى قواعد القضاء الشرعي في دولة قطر ورفع راية الشريعة الإسلامية وأزال ما علق بها من شوائب البدع والخرافات وسار بها على نهج السنة المحمدية والسلف الصالح فأصبح بعلمه للدارسين مفتاحا ولأهل العلم مصباحا.

ذلك هو السبب الذي دعاني إلى التردد ولكني تغلبت عليه على أمل أن نلقي بصيصا من الضوء في ذكرى وفاته التي تصادف هذا اليوم من شهر فبراير ففي مثل هذا اليوم من عام 1997 غاب نجم ساطع لم تكتحل سماء العالم الإسلامي بمثله تاركا قلوب المسلمين تتأرجح بين الفجيعة والتسليم بقضاء الله وقدره

وأسعد ما ترى في الأرض طرا – وفتى يغدو ثروته القلو

ترفرف حوله مادام حيا – ويوم يغادر الدنيا تذوب

وبما أن الشيخ – رحمه الله – موسوعي القراءة والاطلاع فقد أصبحت حياته زاخرة بالعلوم والمعارف المختلفة ما جعله مرجعا للناس على تنوع مشاربهم واختلاف مذاهبهم.

لقد شق هذا العالم دروبا في الشريعة الإسلامية بلا كلل ولا ملل كي يُيسِّر على المسلمين أمور دينهم فحين أجاز رمي الجمرات قبل الزوال وافقه جمع العلماء العقلاء وخالفه بعض العلماء الفضلاء لكن الشيخ أصر على رأيه وكأنه يرى ما سيحل بالحجاج من ازدحام وتدافع

قلوب العارفين لها عيون – ترى ما لا يراه الناظرونا

إنني لن أتحدث عن علم الشيخ الواسع ولا فقهه العميق فلست ممن يخوضون في بحر لا قاع له ولا ساحل إنما أردت أن أذكر نقطتين مهمتين في حياة الشيخ كنت شاهدا عليهما.

الأولى: ذاكرة الشيخ:

كان الشيخ – رحمه الله – يتمتع بذاكرة نادرة في حفظ أشعار العرب وسرعة استحضار الأبيات للاستشهاد بها في أحاديثه لقد كنت مبهورا وهو يذكر تلك الأبيات والحكم ليضعها في موضعها المناسبة من الحديث وهذا يدل على أن الشيخ إلى جانب ثرائه الفقهي فهو ذو ثراء أدبي قلما تجد مثله بين العلماء

الثانية: اهتمامه بأبنائه ورعايته لهم:

رغم مشاغله – رحمه الله – بين القضاء والإفتاء والتأليف وغير ذلك إلا أن هذا كله لم يجعله ينسى أنه والد ومرب مهتديا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " وأذكر أنه في إحدى أيام الدراسة بالولايات المتحده الأمريكية كان أحد أبناء الشيخ – وهو الأستاذ خالد – قد شرفنا بإحدى زياراته وبعد برهة إذا بالهاتف يطلبه فعلمت بعد ذلك أن الشيخ عندما لم يجده في شقته أمر بالبحث عنه عند أصدقائه ليسأل عن أحواله وما يحتاجه في غربته ناصحا له بالتمسك بأهداب دينه لذا أثمرت هذه الرعاية والاهتمام عن ذرية طيبة مباركة وإن كُنا لا نزكي على الله أحدا.

رحم الله الشيخ رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير ما يجزي به عباده الصالحين.

انتهى