الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود عالم قطري راحل

مجلة الأسرة السعودية

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" متفق عليه

في ضحى اليوم الثامن والعشرين من شهر رمضان المبارك من هذا العالم قُبض الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية في قطر بعد أن أمضى حياته في ركب العلم والاجتهاد مخلدا آثارا وأعمالا نافعة.

أحسّت (الأسرة) بوجع الأمة وفجيعتها فهرعت إلى سيرة الشيخ وأعماله وآثاره وطرقت باب أسرته واستطلعت أبناءه بحثا عن المزيد عن عطائه والتعرف على أسلوب حياته ومنهجه في التربية وعلاقته العملية و الإجتماعية.

ثلمة في الإسلام:

برحيل عالم بعد عالم في هذا العقد الأخير نخشى أن يكون قد أظلنا زمان علا فيه صوت الجاهل على صوت العالم وصوت المزمار على صوت الأذان وترنيم المغني على ترتيل المقرئ.

أبو المساكين:

وهب الشيخ وقته وجهده لغيره وكرس علمه وخبرته لمعالجة قضايا الناس وبذل علمه لتنمية وعي المجتمع وتنقية سلوكيات الناس من كثير مما دخل عليها من البدع والخرافات والأوهام

استدنى وهو على كرسي القضاء الخصوم على اختلاف منازلهم وأوضاعهم الاجتماعية واحتهد في الإصلاح بينهم وصبر على ما صدر من بعضهم من أذى وتجريح وساهم بماله في تذويب الخلافات وتسوية كثير من المعضلات لم يبخل بوقته وعلمه وماله على ذي حاجة ورفض مرات كثيرة وضع شرطة أمام مكتبه لتنظيم الدخول عليه خوفا من أن يرد صاحب حاجة أو يمنع سائلا فأقبل عليه المتخاصمون والمستفتون والمحتاجون والمعسرون وهم متيقنون من قضاء حاجتهم.

جاءه يوما صاحب جاه مدعيا بحق لا يسنده إلا وثيقة قال إنها بخط يد حاكم قطر فرفض أن يقره بما يدعي وأنكر صحة هذه الوثيقة وراجع الحاكم فيها فثبت ظنه ثم اعترف صاحب الوثيقة بالحقيقة.

قاضٍ هذا ديدنه لا بدّ أن يحظى بهيبة واحترام ومحبة من كبار القوم وصغارهم فوثق الجميع بنزاهته وكان له فضل حفظ حقوق الضعفاء من الأقوياء في وقت لم تكن فيه أجهزة الدولة قد تكاملت بعد، بجانب القضاء ودروس الفقه تصدى الشيخ لحل كثير من المعضلات الاجتماعية كالخلافات بين القبائل والمشكلات التي تتعلق بإمدادات المياه والإنارة وغيرها.

يقول ابنه أحمد وزير الدولة للشؤون الخارجية:" كانت القرى الشمالية تعاني شحا في الماء أضنى سكانها فاتفق الوالد مع بعض اصحاب سيارات نقل الماء ووقع معهم عقودا لتزويد تلك القرى بالماء ثم حول ( الفواتير) إلى وزارة المالية التي ضج مسؤولوها ورفعوا الأمر إلى الحاكم نظرا لمكانة الوالد فقد سُوي الأمر وظل توصيل الماء إلى القرى الشمال لفترة طويلة تابعا لإدارة المحاكم رغم عدم اختصاصه بذلك ولذا أسماه الناس "أبا اليتامى" لما له من أياد بيضاء في مساعدتهم .

"الأسرة" زارت البيت الكبير الذي كان يقطنه الشيخ وزوجاته وأبناؤه في قطر وحاورت بعض الأبناء حول أسلوبه في التربية، تحدث ابنه الشيخ عبدالرحمن رئيس المحاكم الشرعية في قطر فقال: " كان الوالد يطبق في تربيتنا أسلوب القدوة فكان يصحبنا إلى الصلوات يتفقدنا بعدها ويعاقب من تأخير عنها دون عذر ولا يجامل في مسألة التفريط فيها ولذلك كنّا نهابة نخشاه، كنّا من أمهات مختلفة فكان يجمعنا في بيت واحد ليسهل عليه التقاطنا جميعا لصلاة الفجر اعتاد أن يجلس إلينا عقب صلاة العشاء ليلقي علينا دروسا في قواعد اللغة ومتن الأجرومية وقطر الندى أو في الحديث ويحثنا على حفظ الأربعين النووية.

ومن مآثره في التربية أنه كان يحرص على أن نجلس معه في المجلس بل يلزمنا بذلك من أجل تدريبنا على الجلوس مع الرجال وسماع الحديث وكان يجمعنا بعد صلاة المغرب في البيت ويكلف أحد بالقراءة في أحد المراجع مثل تفسير ابن كثير ويشرحه لنا وفي شهر رمضان وبعد أن ينهي حديثة في المسجد يجلس ويدرسنا القرآن لقد كان عادلا بين زوجاته وأبنائه وأشاع بينهم روح الألفة والمحبة.

كنا نتضايق أحيانا: ويتابع أبنه الأستاذ علي سفير قطر في الرياض فيقول:" لم يكن الوالد يتساهل معنا فيما يتعلق بالأصدقاء فكان حريصا جدا على ألا يكون في رفقتنا صديق سوء وكان يحاول دائما معرفة من نصاحب وفي الصغر كنا نتضايق من هذا الحرص ونحسبه تقييدا أكثر من اللازم وفي اختيار السكن له رؤية خاصة فإذا أحس أن منطقة سكننا اكتظت بخليط من الناس يخشى منه التأثير السلبي على الأبناء وأن البيئة المحيطة لم تعد مناسبة لسكن اسرته، خطط أو بادر على الفور إلى الانتقال إلى منطقة أخرى ذات بيئة أفضل علاوة على ذلك لم ينقطع عن متابعة دراستنا برغم كثرة مشاغلة ويسال أساتذتنا عن مستوياتنا الدراسية ومشاركتنا وعن مواطن ضعفنا وإجمالا فقد صحبنا الوالد في الواجبات والمناسبات الاجتماعية وعدنا معه المريض والعاجز وكبير السن وقد هدف من ذلك إلى تعليمنا وتدريبنا على بذل الخير وحب المساكين. و لأن مجلسه كان مقصد الناس من أهل البلد أو من خارجها صغارهم وكبارهم فقد تعلمنا منه أشياء كثيرة حتى أصبح مدرسة تعلمنا منها الرجولة وحب العلم والخير وعرفنا الواجبات الدينية وآداب المجالس وآداب الضيافة كما صحبناه في أسفاره فتدربنا على مشقة السفر واختلطنا بالكبار والصغار فسبقنا أعمارنا وعقولنا وأصبحنا نتصرف مثل الرجال.

ولعل أهم ما دربنا عليه وأوصينا به أن يحدد كل منا هدفا معينا له ويعمل على تحقيقه وأذكر أنني عندما تخرجت والتحقت بوزارة الخارجية وأخبرته بذلك فحمد الله وتمنى لي التوفيق فهو يحب دائما أن يتوجه ابنه التوجه الذي يناسبه لم يحدث أن تدخل في خصوصيات عمل أي منا إلا إذا طلب منه .

ذرية بعضها مع بعض:

للشيخ ابن محمود زوجات ثلاث وله من البنين سبعة عشر ولدا أحسن تنشئتهم وتربيتهم فشبوا على نهجه الصالح يعشقون العلم والدراسة يجتهدون في العبادات ويهتمون بأرحامهم وبعلاقات القربى يصلون من وصله أبوهم ويبرون من بره ويعينون من أعانه وفي أحد أيام مرضه الأخيرة لما أحس مرافقوه بتراجع حالته الصحية استدعوا الطبيب وبعد أن فحصه طلب استدعاء أبنائه فكان بعضهم معتكفا في المسجد المجاور فجاؤوا على عجل وجلسوا جمعيا حوله يدعون له في ذلك اليوم نطق الشهادتين بوضوح رغم الضعف الذي دب في لسانه ودعا الله أن يجعله من التوابين والمتطهرين ثم فاضت روحه إلى بارئها ولم يحس بنوه بوفاته إلى أن أبلغهم الطبيب بذلك.

وبانتشار الخبر هرع المعزون ومحبو الشيخ وقاصدوه إلى بيته معزين وباكين وحضر الصلاه عليه جمهور عظيم وعلى رأسهم أمير دولة قطر وشيوخ آل ثاني والوزراء والوجهاء وأم الناس في الصلاة عليه فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي وشيعت جنازته إلى مقبرة أبو هامور في الدوحة وصُلي عليه عدة مرات في المسجد المجاور لها .

ويُروى إن إحدى حفيداته عمرها 13 عاما رأت في منامها بعد صلاة فجر اليوم الذي قبض فيه أن الشيخ جالس على كرسي أبيض وفي ثياب بيض وعلى جانبيه ملكان بأجنحة بيضاء فحملاه في كرسيه وصعدا به إلى السماء فانتبهت من نومها ثم علمت بعد ذلك بوفاة جدها .

لمحات من حياة الشيخ:

كان يدرس طول الليل ويبقى عشاؤه الخفيف أحيانا في مكانه كما هو حتى الصباح.

لا ينام بعد الفجر ويظل يتلو القرآن إلى أن تشرق الشمس

لا يذهب إلى النوم قبل أن يتأكد من أن جميع أبنائه في البيت .

رغم ضعفه في الآونة الأخيرة وضعفت ذاكرته ونسيانه بعض الأشياء إلا أنه يقرأ القرآن غيبا على أحد الأقرباء ونادرا مايخطئ.

يدعو أبناءه في الإجازات إلى المحكمه لحضور بعض القضايا.

ما رد دعوة وجهت له استجاب الدعوات وأحيانا تكون متتابعة في اليوم الواحد ( غداء، عشاء فطور، قهوة) وقد يصل عدد مرات الدعوة إلى القهوة 15 مرة في اليوم وخصوصا عند زيارته للأهل والأقارب في مسقط رأسه بحوطة سدير.

كان يصل رحم والدية ويبر مَن خدمهما.

ربى أبناءه على الدقة ومخاطبة الله في كل الأمور وحتى من عمل منهم في السلك الدبلوماسي ما تخلى عن هاتين الصفتين.

يستأنس عادة بآراء الفقهاء والعلماء حول رسائله التي يكتبها ويأخذ بها إذا بين منفعتها

وما رد طالب حاجة ولا انتهر سائلا ولا عبس في وجه مستفت ويعطي السائل وإن كان أهله أغنياء أو كان يتردد عليه .

وجه أبناءه إلى الالتحاق بالمعاهد الدينية ومن اختار مدرسة أخرى احترم رغبته.

كفاح قلم ولسان:

استل الشيخ قلمة مدافعا عن الحق مجاهدا في سبيل الله فراح ينصح الحكام ويطالبهم بتطبيق الشرع والعمل به وينبه إلى ما يراه مخالفا للشريعة أو ضار بمجموع الأمة.

أما خطبته في الجمعة فقد كان درسا أسبوعيا يتناول فيه موضوعات إسلامية عام مع التركيز على ما يهم الناس في حياتهم اليومية وأودع هذه الخطب خلاصة آرائه واجتهاداته في المسائل الشرعية وكانت له مواقف مشهورة على المنبر بكلمة الحق.

وقد شغف الشيخ بالدرس والمطالعة فانكب على أمهات المراجع والكتب باحثا ومنقبا

الشدة في مقارعة الخصوم

كتب الشيخ عددا من رسائله لمناقشة مسألة مطروحة أو الرد على فتوى قائمة غير مبال برضا الناس أو سخطهم يقول عنه الشيخ يوسف القرضاوي: " إذا وصل الشيخ باجتهاده إلى رأي في قضية أذاع وأعلن عنه ولم يبال في ذلك بهياج العامة ولا بسخط الخاصة بل وربما أخذت عليه الشدة في الذود عن الرأي ومقارعه الخصوم حتى يخيل إليك أنه مقاتل في معركة لا مناظر في مسألة بعض العلماء كتموا آراءهم التي خرجوا بها عن التقليد أو حصروها في دائرة أقربائهم وخاصتهم وما جرؤوا على إذاعتها بين جمهور الناس إيثاراً للسلامة من ألسنتهم غير أن الشيخ كان شجاعا في إبداء الرأي والإعلان عنه "

فتاوى ومواقف:

خرج الشيخ على المذهب الحنبلي في عديد من المسائل وخالف متأخريه ويسر على المسلمين سيما في رمي الجمار في شعيرة الحج ولم يكن في ذلك مبتدعا وإنما وافق بعض أئمة التابعين مثل عطاء بن رباح فقيه مكة وطاووس بن كيسان فقيه اليمن وأبي جعفر الباقر فقيه البيت وأثار كتابه " يسر الإسلام في أحكام الحج" ضجة كبيرة في حينه وخرج إلى مكة مناظرا ومدافعا عن الفتوى التي توصل إليها بقوة الدليل ولم يتراجع عنها إلى أن توفاه الله وأعلن كذلك فتاوى جعلته مرمى لسهام القادحين فقد ألف رسالة في جواز تحويل مقام إبراهيم وفي جواز الاقتطاع من المسجد أو المقبرة لمنفعة، كما ألف رسالة بعنوان (لا مهدي ينتظر بعد الرسول محمد خير البشر) ألقاها في مؤتمر السيرة والسنة النبوية الذي عقد في الدوحة.

وناقش إضافة إلى ذلك مسائل فقهية مهمة كأحكام عقود التأمين وحكم اللحوم المستوردة وذبائح أهل الكتاب وغيره من الرسائل والموضوعات التي تهم المسلمين.

الشيخ مربيا:

وكما كان الشيخ فقيها مجتهدا ومفتيا متفردا كان أيضا أبا ومربيا وكان يدرك أنه مسؤول عن رعيته وأن في صلاح الأسرة صلاح للمجتمع ترجم الشيخ علمه إلى عمل فما غفل عن أبنائه وما فرط في تربيتهم ولا أفرط في ملاحقتهم والتضييق عليهم كان كما يقول أبناؤه يربيهم على هدي الرسول صلى الله عليه وسلم فعلمهم حب الوقت واحترامه وشغله في طاعة الله وفيما ينفع الناس وعلمهم قضاء حوائج الناس ودربهم على ذلك متمثلا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النمله في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلمي الناس الخير " رواه الترمذي.

انتهى