ابن محمود رمز الاعتدال

عبدالله العمادي

المصائب كثيرة ولعل أعظمها فقد علم من العلماء وخصوصا عالم دين وليس أي دين بل الدين الإسلامي الحنيف، ولعل وفاة الشيخ العالم الجليل عبد الله بن زيد آل محمود أول أمس نعتبرها من المصائب الثقيلة على النفس وكيف لا نعتبر وفاته مصيبة وهومن هوفي العلم الشرعي والذي عاش عمره كله وهوفي خدمة الإسلام والمسلمين نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا.

إننا في قطر نفتخر وسنظل كذلك بأن أقطابا ثلاثة عاشت في هذه الأرض الطيبة وقدمت الكثير ولعل مصدر الاعتزاز والفخر بتلك الأقطاب أنها كانت رمزا من رموز الاعتدال ومضرب للأمثال في الاقتداء بنهج النبي صلى الله عليه وسلم لا إفراط ولا تفريط أو تمييع أو غلو أو تشدد.

القطب الأول: تمثل في خادم العلم الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري الذي لم يدخر جهدا في خدمة العلم النافع ونشر الكتب النافعة وتوزيعها في كال أنحاء العالم الإسلامي وهوما افتقدناه يوم أن رحل عنا إلى الباري جل وعلا عام 1989م وبقي قطبان في أصل ثلاثة تمثلا في الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود وفضيلة الدكتور يوسف القرضاوي.

فأما القطب المتمثل في الشيخ عبد الله فإنه قد عرف عنه الاعتدال والسير على النهج الوسطي وهوما سبب له كثيرا من الإزعاج من كثيرين ممن كانت آفاقهم ضيقة ومدى رؤاهم قصيرة جدا فكان رحمه الله قوي الحجة والبيان واثقا من فهمه للشرع وكان دائما يخرج من تلك المناظرات منتصرا بل ياخذ الناس برأيه ولعل رأيه في مسألة رمي الجمرات قبل الزوال أثارت الزوابع عليه إلا أنه في النهاية تم ترجيح رأيه والأخذ به بل إن الناظر أيامنا هذه إلى الزحمة الشديدة أيام الحج لا يسعه ألا أن يدعوللشيخ رحمه الله بجزيل الثواب والمغفرة على ذلك الرأي هداه الله إليه والذي رفع المشقة على كثيرين وتم إنقاذ أرواح الآلاف من الحجيج.

وله مواقف كثيرة لا يتسع المقام لذكرها تدل على وقوفه دائما في وجه الغلو والتشديد في الدين وهو ما تحرص عليه أيامنا هذه فئة لا أدري من أين جاءت! ولا إلى أين تريد الذهاب بعوام الناس الذين منذ أن وطئت أقدامهم الأرض الطيبة هذه وهم يقتدون بالأقطاب الثلاثة الذين ذكرناهم فاختلطت الأمور على كثيرين من الذين لم يعتادوا على مثل ما يحدث الآن عندنا في قطر من تشدد البعض وغلوهم بل اعتادوا على الا عتدال كما جاء به النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الذي يقول: فيما رواه عبد الله بن مسعود " هلك المتنطعون، قالها ثلاثاً" رواه مسلم. للدلالة على المتشددين الذين سيهلوكون أنفسهم ومن يتبعهم.

لقد ساهم الشيخ ابن محمود مع القطبين الآخرين الأنصاري والقرضاوي إرساء دعائم الاعتدال في الدين في قطر منذ أكثر من خمسين عاما مضت حتى صارت قطر نموذجا في هذا المجال يحسدها كثيرون من الجوار ومن جاورهم كذلك.

إن فقدنا لإثنين من رموز الاعتدال بمثابة مأساة كبيرة أولا والعبء كل العبء بعد ذلك سيقع على القطب الثالث المتمثل في الشيخ القرضاوي رمز الاعتدال في العالم الإسلامي كله والذي ندعوالله أن يديم عليه الصحة والعافية وأن يبارك في عمره وعمله ولا يحرمنا منه.

إن خير عمل نقوم به من أجل الفقيدين الغاليين الأنصاري وابن محمود أن ندعولهما بالرحمة والمغفرة والفردوس الأعلى وأن يكونا مع الصديقين الشهداء والصالحين وذلك في الآخرة أما في الدنيا فإن ما يجب علينا هوالسير على ماكانوا عليه من توسط واعتدال في أخذ هذا الدين الذي لا يؤخذ إلا باليسر والرفق والاعتدال وأن نظل دائما نذكرهما ونذكر ما قاما به في هذا البلد الطيب من خدمات جليلة للإسلام والمسلمين.

رحم الله الشيخ الفاضل ومن قبله الشيخ الأنصاري وندعوالله أن يجمعنا بهم تحت ظله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله ولاحول ولا قوة إلا بالله.

انتهى