ورحل العالم الجليل عبدالله بن زيد آل محمود

جاسم بن سالم الأنصاري

ورحل الشيخ مات الأب مات الحنون مات الوالد مات الإمام مات العالم مات العامل مات الحبيب مات القاضي مات الداعية مات المجتهد مات الآمر بالمعروف مات الناهي عن المنكر مات الناصح مات المبشر مات الميسر مات الحازم مات الشجاع مات العزيز مات الغيور مات الشيخ مات ابن محمود.

الحمدالله رب العالمين والخير فيما اختاره الله طيبا طاهرا ويثني الجميع عليه بالخير ويشهد الكل له بالفضل واختاره في شهر مبارك أعظم الأشهر اختاره في رمضان بل في لياليه العشر الأواخر فالحمد الله وطوبى لشيخنا هذه الغنيمة صدق الله فصدقه الله بإذنه طوبى له أن اختاره على فراشة نقيا زكيا من أدران الدنيا واختاره وقد قضى حياته كلها ونذر عمره كله في خدمة دين الله والذود عن حرمات الله ومحاربة أعداء الله وموالاة أولياء الله فرحمه الله رحمه الله رحمه الله.

ولكن إن لم نبك على الشيخ فعلى من نبكي وإن لم تدمع أعيننا على فقد الشيخ فعلى من تدمع وإن لم توجل قلوبنا على فراق الشيخ فعلى من توجل؟

من ذا الذي يخلف أعمال الشيخ ؟ من ذا الذي يعمل عمله ويقول قوله ويحتسب احتسابه؟ إن سيرة شيخنا فريدة عجيبة أرأيت من وهب حياته كلها وجهده كله وحيويته كلها لله ولله وحده ؟

أرأيت من يشمر عن ساعد الجد بعد فجر كل يوم يقضي بين الناس ويتحرى صلاحه ويرد إلى كل ذي حق حقه ويمسح دمعة اليتيم بيد السخاء والإنصاف ويضرب بيد غليظة على الظالم ويرد الحق للمظلوم؟

أرأيت من يخرج كل يوم في مثل هذا الشهر من داره العامرة متوجها إلى مسجد الشيوخ " الجامع الكبير" ليصلي بالناس صلاة العصر ثم يجلس لوعظهم ثم يؤمهم في صلاة التراويح مصليا بهم وناصحا إياهم بموعظة طيبة مرغبة مرهبة تتمتع بها الأسماع وتخشع لها القلوب ويذكر بها الرحمن كان الشيخ رغم مشاغله ومهماته المتعددة يقدس مواقيت الأذان والصلاة ولا تكون صلاته إلا في المسجد وبقيت عادته اليومية في حضور صلاة المغرب قبل نصف ساعة على الأقل من الأذان

إيه يا شيخنا إيه يابن محمود من ذا الذي يخلف أعمالك وأفضالك؟ وليس القضايا والمواعظ وحسب وليس المجلس الطيب الذي يجتمع عنده فيه الأخيار من كل حدب وصوب ومن شمال قطر إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها ليكون قبله القاصدين وملتقى الأخيار ومجلس الذكر وحلقة العلم وجلسة الأدب والشعر وتذاكر الأحوال والإسلام والمسلمين نعم ليس كل ذلك وحسب لقد خلف الشيخ من بعده أيضا تركة عظيمة من المؤلفات والرسائل التي تحوي (حكما جامعة لشتى العلوم النافعة) واجتهادات صائبة وآراء سديدة يلوذ بها ويعمل بمقتضاها ملايين المسلمين في أيامنا هذه فتح الله عليه فأدركها وعلمها ولم يكتمها فأفتى بها واجتهد في الدفاع عنها كل ذلك احتسابا لوجه الله وغيرة على دينه العظيم جمع فيها بين الحمية على شرائع الدين وشعائره ووقف سدا منيعا أمام مظاهر الفتن والبدع وجمع فيها أيضا الحرص على التيسير والتسهيل على المسلمين والتبشير لا التنفير وتحمل في سبيل منهجه هذه الانتقادات اللاذعة لدرجة الطعن في شخصه الكريم الطاهر وقف بكل شموخ وثبات وصلابة ولم يأبه بكل المشوشات كيف لا وهو مرتبط بملك الملوك جل وعلا به يعز ومنه يخاف وإليه يلجأ وعليه يتوكل ومنه سبحانه يستمد العون واليقين لم يراقب غير الواحد الأحد ولم يرج رضا غيره ولم يطلب مرضاة سواء فعاش بذلك عزيزا ومات عزيزا تغمده الله بواسع رحمته.

لقد التزم الشيخ النصح لله ورسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم كان هذا دأبه منذ عرفناه بل منذ عهد الشيخ عبد الله بن جاسم أبي الحاكم ووالد الأمراء منذ ذلك الحين لم تأخذه في الله لومة لائم كان يمينه الكريمة الطاهرة تخط لساعات متواصلة رسائل النصح والعتاب والتوجيه والتأنيب لولاة الأمر وما أن يقول له أحد ممن حوله: ياشيخ أجهدت نفسك وأتعبتها فهلا أمرتنا أن نكتب عنك إلا يرد عليه بابتسامة الغبطة والاستنكار: يا فلان أهي نصيحة أم فضيحة؟

طيب الله ثراك يا شيخنا ما فتئ ينصح ويؤنب ويغلظ في العتاب آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر داعيا إلى كل خير فحاز مع رضا الله عز الدنيا والآخرة وحاز الطاعة والتبجيل والتوقير والاحترام عند الحكام وعند المحكومين جيلا بعد جيل.

لقد ظل اتصال الشيخ بملك الملوك حتى أواخر عمره ظل متصلا بربه عز وجل لم ينس كلام ربه فحتى بعد أن أقعدته الأسقام ما برح يردد أي الذكر الحكيم وكان يرحمه الله عندما يضع له آباؤه البررة القرآن المسجل كان يسابق القارئ مسابقة بتلاوته المعهودة يرحمه الله.

إيه ياشيخنا: والله إني لأستحيي من نفسي حين يخطر لي أني أحصي فضائلك وأعمالك ولكن إن حسابه إلا على ربه وثوابه عند الله يغنيه عن ثناء الناس.

عزاؤنا في الشيخ كثير وثقتنا في فضل الله عليه وتقلبه كبيرة. فمما يعزينا في فقد شيخنا بتراثه الذي تركه لنا وأعني بتراثه: توجيهاته ونصائحه وسيرته وهديه ورسائله وكتبه وخير الهدي هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ومما يعزينا في مصابنا أيضا هو وقت اختيار الباري له فالخير كله فيما اختاره الله.

وأعظم عزاء فيه يرحمه الله هو الذرية الصالحة الطيبة التي خلفها من بعده والأبناء البررة الذين وفقهم الباري جميعا أن يكونوا أهل دين وأهل خلق وأهل بر وأهل وفاء وما ذاك إلا لاقتفائهم سيرة أبيهم وما ذاك إلا ببركة صلاح وخيرات أعمال والدهم الجليل بل والد قطر ومن بها سماحة إمامنا الشيخ عبدالله بن زين آل محمود.

ولا تستغرب أن يمتد فضل الشيخ علينا حتى بعد رحيله فقبل أن يتركنا الشيخ ترك لنا وصية في أعناقنا إلى الأخيار من أهل هذه البلاد وإلى ولي الأمر وقد قال في وصيته:

"الحمد لله نستعين بالله ونصلي ونسلم على رسوله الله وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا نبيه ورسوله اللهم صل على محمد على آله وصحبه وسلم أما بعد:

فإن نصوص الكتاب والسنة توجب على الامة الإسلامية أن يكون منهم أمة صالحة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لأن هذا هو سبب صلاح الناس وفلاحهم وعليه مدار سعادتهم في قديم الزمان وحديثه قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ١٠٤﴾ [آل عمران: 104] فعلق سبحانه فلاح الناس ونجاتهم بوجود جماعة مؤمنة يأمرون بالمعروف وينهون عن الفساد في الأرض فهم يسعون في نجاة أنفسهم والناس معهم فكانوا من أنفع الناس للناس يهدون بالحق وبه يعدلون وإن النهي عن المنكر هو مما يقلل انتشاره وسلامة الناس من أضراره وآثامه والشريعة الإسلامية جاءت لجلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها والمنكر متى ترك بحاله ولم يقم أحد من الناس بمنعه ودفعه فإنه يقتضي السكوت عنه ينتشر ويشتهر في العباد والبلاد على سبيل العدوى والتقليد الأعمى وإن الأمراء والعلماء ومجالس الشورى هم بمثابة المرابطين دون ثغر دينهم ووطنهم يحمونه عن دخول الفساد والإلحاد وما يعود بخراب البلاد وفساد أخلاق النساء والأولاد ولا يتصف بالقيام بهذا العمل وحماية الدين والوطن إلا خيار الناس قولا وعملا يقول الله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ١١٠﴾ [آل عمران: 110] فهذه الخيرية الجميلة لا تدرك إلا بهذه الأعمال الجليلة التي من جملتها الأمر بالخير والنهي عن الشر فإذا لم يتصفوا بذلك ولم يوجد منهم من يقوم بهذا الغرض فإنهم يكونون من شر الخلق والخليقة لأنه من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه فمتى قصر الناس بواجبهم ولم يقوموا بحماية دينهم ووطنهم وتركوا الخمور تجلب إلى بلدهم والحوانيت تفتح لبيعها بحيث تكون في متناول كل يد من صغير وكبير وتركوا الأفلام الخليعة والفواحش الشنيعة تنتشر بينهم بحيث تغزوهم في عقر دورهم بدون أن ينكروا منكرها وبدون أن يتناصحوا في شأنهم فإنهم يعتبرون هذا العمل والسكوت عليه مؤذن بفتنة في الأرض وفساد كبير وهؤلاء والرؤساء يلامون على سكوتهم عنه إذ لا نجاة لهم وللناس معهم إلا بأمرهم بالخير ونهيهم عن الشر ويعظم أمر المنكرات ويعم ضررها بالجهر بها لكون المؤاخذه إنما تقع بطريق المجاهرة لأنها تعتبر بمثابة التمرين لفعل هذه الأعمال الشنيعة.

وإن بعض الناس عند سماع مثل هذا يعللون أنفسهم بالأعذار البادرة ويقولون: هذا آخر زمن وهذا تيار جارف ويفعل مثله في بلد كذا وكذا وقد بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فاتخذوا هذا الحديث بمثابة التخدير والتفتير يحاولون أن يسقطوا به ما أوجب الله عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم بزعمهم قد قصد بهذا الحديث الاستسلام لهذا الضعف من المسلمين والغربة للدين حتى لا يسعى أحد بحوله وقوته وبجهده وجهاده لدفعه ورفعه وقد ثبت في الصحيح: أنه ما تزال طائفة من هذه الأمة على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا خالفهم حتى تقوم الساعة فالعاقل لا يتوحش غربة الإسلام لقلة المتمسكين ولا يغتر بكثرة الملحدين التاركين للدين فإن الله يقول: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ١٠٣﴾ [يوسف: 103] والحمد الله رب العالمين. انتهت وصية الشيخ.

اللهم نشهدك على محبة أبينا الشيخ.

اللهم إنا نشهدك أن قطر ومن بها قد شهدت لشيخنا بالخير وأثنت عليه بالخير.

اللهم ما حلله فقد حللناه وما أبحاه فقد أبحناه

اللهم اسكنه جنات النعيم وهيئ له الفردوس الأعلى.

اللهم إنا نسألك بأنك أنت الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد نسألك أن تغفر لنا ولأبينا الشيخ وترحمه.

اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه اللهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.

اللهم اجز خيرا من يمد يده من القراء ويقول: آمين

ولكن بعد كل هذا تذكروا أن شيخنا ما يزال بين ظهرانينا يصيح بنا:" أفيقوا من رقدتكم وتوبوا من زللكم وحافظوا على فرائض ربكم وتمسكوا بدينكم واطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين.

انتهى