فقيد الأمة الإسلامية

الشيخ عبدالقادر بن محمد العماري

فقد العالم الإسلامي علما من أعلامه بوفاة صاحب الفضيلة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود

لقد كان نجما ساطعا بنور العلم الذي ينشر في وقت أفلت فيه النجوم الزاهرة الواحد تلو الآخر وإنما يذهب العلم بقبض العلماء مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا"

وقد كان رحمه الله نبراسا في هذه المنطقة يشع نور علمه في الآفاق باجتهاداته الموفقة التي راعي فيها قوة الدليل وحاجة العصر ومقاصد الشريعة وخطبه التي تعتبر من السهل الممتنع. وكان رحمه الله يتابع ما يجري من أحداث تهم المسلمين في دينهم في بيان رأي الفقه الإسلامي فيها بنظرة ثاقبة غير متزمتة يناقش الأدلة ويمحصها ويأخذ بالقول الذي ينسجم مع تلك المقاصد ويؤيده الدليل الأقوى بصرف النظر عن كثرة القائلين أو قلتهم فيقول رأيه بشجاعة وجرأة مثل قضية المهدي المنتظر فقد أصدر رسالة بعد حادثة الحرم المشهورة التي ادعت أثناءها بعض العناصر المتشددة خروج المهدي فتصدى فضيلته لهذه الفتنه وألف رسالته المشهورة: "لا مهدي ينتظر بعد محمد خير البشر"

كما ألف رسالة سماها " يسر الإسلام" في رمي الجمار في منى فقال بجواز الرمي قبل الزوال تخفيفا على المسلمين بعد أن تبين أنه تزهق الأرواح بسبب شدة الزحام ويتكلف الناس مالا يطيقون وأورد الأدلة والحجج الشرعية والعقلية بتأييد هذا القول وقد أصبحت فتواه الآن هي المعمول بها من أكثر الناس بعد أن كان يعارضها كثير من العلماء المعاصرين.

وأيضا ألف رسالة بعنوان: " الحكم الشرعي في الطلاق السني والبدعي " أيد فيها القول بعدم إيقاع الطلاق في الحيض أو في طهر مسها فيه واعتبرها الطلاق الثلاثي بلفظ واحد أو قبل أن تنتهي العدة طلقة واحدة يجوز للزوج أن يراجع زوجته في العدة كما يجوز أن يعقد عليها بعد انقضاء العدة من غير محلل واستند في ذلك إلى الأدلة المأخوذة من الكتاب والسنة وله رسالة تتعلق بتحويل المقام في المسجد الحرام كما أيد بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر وضمن فتواه هذه الرسالة: "كتاب الصيام وفضل شهر رمضان"

كما ألف رسالة حول توحيد وقت صيام المسلمين وأعيادهم وسماها: "اجتماع أهل الإسلام على عيد واحد كل عام" كما أفتى بجواز الأخذ من المسجد والمقرة للمصلحة العامة في رسالة سماها: "جواز الاقتطاف من المسجد والمقرة في حالة الحاجة وعموم المصلحة".

ومنهجه في هذه الفتاوى كما قلنا هو الاستناد إلى قوة الدليل ومقاصد الشريعة والتيسير على الناس ورفع الحرج عنهم ويوضح منهجه هذا في مقدمات رسائله فهو يقول في مقدمة رسالة تحقيق المقال: " إن المخلص الناصح والبصير الناقد يجب عليه أن يثبت في الرد والنقد وأن يقر ضرورة الحال والمحل فإن لكل مقام مقالا والعلة تدور مع المعلولات وجودا وعدما وتختلف الفتوى باختلاف الزمان والمكان فيما لا يتعلق بأصول العقيدة والأركان وقد جاءت هذه الشريعة السمحة لجلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها ومن قواعدها المعتبرة أنه إذا ضاق الأمر اتسع والمشقة تجلب التيسير ويجوز ارتكاب أدنى الضررين لدفع أعلاهما والحرج منفي عن الدين جملة وفصيلا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ ﴾ [الحج: 78] ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ ﴾ [البقرة: 185] لأن عدل الله في أرضه ورحمته في عباده وشرعه لإسعاد البشرية في أمورهم الروحية والجسدية والاجتماعية ولو فكر العلماء بإمعان ونظر لوجدوا فيه الفرج والمخرج من كل ما وقعوا فيه من الشدة والحرج ومن صفة رسول الله ^ أنه ﴿عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ١٢٨﴾ [التوبة: 128]

وفي مقدمة رسالته: " الحكم الشرعي في الطلاق السني والبدعي" قال: إننا في كتابتنا لهذه الرسالة نعتمد فيها وبالعمل بموجبها على الكتاب والسنة اللذين يجب اللجوء إليهما عند التنازع فهما الحكم القسط بقطعان على الناس النزاع ويعيدان خلافهم إلى مواقع الإجماع.

وقال: ومن المعلوم أن الرجال تعرف بالحق لا الحق بالرجال والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى له من سامع" وقال: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها فرب حامل فقه ليس بفقه إلى من هو أفقه منه" مما يدل أن العلم وبيان حكمته وحل مشاكله ليس مخصوصا بالأولين دون المتأخرين فقد يظهر المتأخرين من نصوصه والتفقه في حكمته ما عساه يغفل عنه المتقدمون فكم ترك الأول والآخر:

وتفاوت العلماء في أفهامهم - في العلم فوق تفاوت الأبدان.

وقد وقف في مسألة الاختلاط في الجامعات والوزارات في العالم الإسلامي موقفا قويا ونصح الأمراء والوزراء والأعيان والمفكرين في هذه المسألة فقال: " إن الأمراء والعلماء والوزراء يجب أن يكونوا بمثابة المرابطين دون ثغر دينهم ووطنهم يحمونه من الإلحاد وتسرب دخول المفساد على العباد باعتبار أنهم متكاتفون متكافلون في جلب المصالح ودفع المضار يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فيقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله فمتى قصر هؤلاء بواجبهم وتكاسلوا عن حماية دينهم ووطنهم وتركوا الخمور تجلب إلى بلدهم وتركوا بلدهم موطنا لمراتع الفسوق ولم يأخذوا على أيدي سفائهم على منعهم عما يضرهم فإنه في ذلك تحقق خراب البلاد وفساد العباد وخاصة النساء والأولاد وإن الاختلاط بين الشباب والشابات ضار في ذاته مؤد إلى فاحشة كبرى في غايته وسوء عاقبته لأنه بعد أن كثرت الأسباب والوسائل لإفساد البنات المصونات وتمكن الفساد في إغرائهن بنصب حبائل الخداع والمكر لهن "

وكثيرا ما كان يردد رحمه الله في مجالسه وكتاباته هذين البيتين:

ابن لي قول الحق في وجه سامع - ودعه فنور الحق يسري ويشرق

سيؤنسه رشدا وينسى نفاده - كما نسى التوثيق من هو مطلق

رحم الله شيخنا رحمة الأبرار ولا يسعنا إلا أن نرضى بقضاء الله وقدره وقد قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ﴿إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ٣٠﴾ [الزمر: 30] ﴿كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ١٨٥﴾ [آل عمران: 185]

يا الله ارحمه رحمة واسعة واكرم نزله ووسع مدخله ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خير من أهله

وإننا نعزي أنفسنا وأنجاله وجميع آل محمود الكرام ونعزي أصدقاءه وتلاميذه والشعب القطري والأمة الإسلامية كافة ولا نقول إلا ماقال الصابرون: "إن لله وأنا إليه راجعون"

انتهى