الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود داعية وفقيه في إهاب قاض

محمود عوض

لم يقدر لي أن أجلس إلى العلامة الراحل الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رحمه الله و لكني جلست إلى آثاره فعرفته من خلالها رجلا جادا فقيها عالما ينطلق في بحثه ودرسه من أصول راسخة لعل أجلها وأعظمها شهادة للرجل رحمه الله حفظه للقرآن الكريم ومعرفته الوثيقه بمواضع الاستدلال فيه وأدوات استنباط الدليل منه وعمق معرفته بمذاهب العلماء في هذا الاستدلال فقد كان الرجل يحمل عقل فقيه يشغله ما يشغل الفقيه من دقائق الفقه وقضاياه كما تشغله عظائم الأمور في الدعوة إلى الله عز وجل وهو الذي كان على رأس جهازها في قطر عشرات السنين لكنه كقاض كان بحثه يتجه إلى مسائل القضاء أكثر من اتجاهه إلى غيرها ومع توثيق صلته بأصول السلف وفقههم، إلا أنه كان يملك تلك النظرة الواسعة العميقة إلى الواقع الذي تتنزل عليه مسائل الفقه وقضاياه ومن خلال تلك النظرة كانت فتاواه في قضايا تعليم المرأة وبعض أعمال الحج إليه من النظر إلى الواقع والإفتاء بحسب ذلك النظر بما يرجح بعض الاختيارات على بعض.

وأذكر حينما أتيت إلى قطر لأول مرة عرفت أن فيها عالمين كبيرين أحدهما علامتنا الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رحمه الله والثاني فضيلة الشيخ أحمد بن حجر آل بو طامي رحمه الله فكتبت يومها أُطالب بإنشاء دار للإفتاء في قطر وقلت في نفسي: ما دامت قطر لا ينقصها العلماء فلم لا تكون دار للفتوى تنظم عملية الإفتاء في هذا القطر العزيز وقد لقي هذا المطلب قبولا وما أدري ما الذي أخر تنفيذه وقتنا هذا!

والمهم أنني أخذت أتجوّل في مساجد قطر أبحث عن الجيد فيها وأستمع إليه وأعكف عليه وما زلت في تجوالي هذا حتى أعثرني الله عز وجل على رجل يخطب خطب السلف واجتمعت لدي عدة أمور في خطبته:

أولها: عدم التزامه بالشهادتين أول الخطبة ومعلوم أن الأمر فيه سعة وهذا موجود في المذاهب.

وثانيها: تحقق المقصود الشرعي من خطبة الجمعة في خطبة هذا الرجل والخطبة المشروعة هي ما كان يعتاده صلى الله عليه وسلم من ترغيب للناس وترهيبهم وتذكيرهم بأيام الله.

وثالثها: لغة الخطبة وقد جمع الشيخ في خطبته بين لغة السلف تلك التي كانت تميل إلى التحسين البلاغي والسجع وبين لغة الخلف العصرية التي تعتمد السرعة والسهولة والتخفيف.

ورابعها: تقصير الخطبة وقد بوب العلماء في أبواب الجمعة في كتب الفقه استحباب رفع الصوت بالخطبة وتقصيرها والاهتمام بها وتتحقق هذه المقاصد في خطبته من رفع الصوت وحسن الإعداد والتحضير للخطبة وتقصيره في غير إخلال وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم.

أعثرني الله على تلك المقاصد والمناحي الجليلة في خطبة هذا الرجل فسألت عنه فقيل لي هذا شيخ المشايخ هنا في قطر الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود فعرفت للرجل قدره ولزمت درسه ما استطعت إلى ذلك سبيلا رحمه الله رحمة واسعة وازداد يقيني بهذا الرجل حينما علمت أنه غاب عن كل شئ في الدنيا إلا القرآن الكريم الذي لم يغب عنه ولم ينقطع حتى مع شدة المرض عليه.

وتحضرني شهادة ميت لميت فأما الأول فهو فضيلة الشيخ صلاح أبو إسماعيل رحمه الله وقد كان يعظ الناس في رمضان بعد صلاة العصر في المسجد عمر بن الخطاب في عام وفاته أو قبله بعام وسئل عن شيء فأحال السائل إلى الفتوى لميّتنا الثاني فضيلة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود بعبارات تدل على ثقته واحترامه وحبه للشيخ الجليل قال للسائل: أحيلك إلى فتوى شيخنا وأستاذنا مفتي الديار وقاضي القضاة الشيخ عبد الله بن زيد رحمهم الله جميعا رحمة واسعة مع من سبقهم من علمائنا بإحسان وغفر الله لنا ولهم والله نسأل أن يتغمد إمامنا وشيخنا عبد الله بن زيد برحمته ويعمه برضوانه وأن يلحقه بالصالحين من هذه الأمة.

انتهى