في رحاب الشريعة الإسلامية الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود المدافع عن الأحكام الشريعة

محمد ممدوح الشافعي

دافع المغفور له إن شاء الله تعالى فضيلة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود عن الشريعة الإسلامية وبين أنها كفيلة بحل مشاكل العالم وأنها مبنية على حماية الدين والأنفس والأموال والعقول والأعراض وأنها صادرة من الحكم العليم تنظر إلى حالة جميع الناس وحاجتهم في حاضرهم ومستقبلهم نظرة رحمة وإحسان إلى جميعهم وقد قارن بينها وبين القوانين الوضعية وتتلخص هذه المقارنة فما يلي:

1- أن قوانين الشرع ليس فيها مادة واحدة يمكن حذفها أو تعديلها أو تبديلها أو تغييرها أو إلغاؤها بينما القوانين الوضعية قد وضعت وغيرت مرارا.

2- أن القوانين الوضعية هي محض آراء وهي مبينة على عزل الدين عن الدولة وعلى كون الرضا شريعة المتعاقدين فهي تبيح للناس ما حرم الله عليهم مثل أكل الربا.

3- أن القوانين الوضعية لا تعاقب الجناة مهما كبرت الجناية أو صغرت إلا بالسجن ولهذا تكثر الحوادث في كل بلد تسوده القوانين الوضعية حتى تغص السجون بالجناة.

4- أن البلدان التي يحكم فيها بشريعة الإسلام تتمتع بنصيب وافر من الأمن والإيمان والسعادة والاطمئنان وأهلها يعيشون عشية راضية مرضية وأخلاق كريمة زكية.

5- أن للقضاء الشرعي سيطرة فعالة على قلوب الناس فينقادون لحكم الشرع لعلمهم واعتقادهم أنه شريعة دينهم أما القوانين الوضعية فلا تحل مشاكلهم على الوجه الأكمل من أجل أنه ليس فيه قصاص ولا حد ولا تعزير.

6- أن القاضي الشرعي يخالف نظم القوانين الوضعية إذا تبين له خطؤه يرجع عن الحكم الذي أصدره يعطي صاحب الحق حقه حتى ولو بعد حلف المحكوم له فإن اليمين لا تزيل الحق عن مستحقه.

7- أن المحاكم الشرعية المبنية على أساس من العلم والعقل والعدل والسياسة الحكيمة هي أكبر معين للحاكم والأمير على سياسة مملكته وسيادة رعيته لكونه يتقي بها عدل العوام والإنحاء عليه بالملام فيما يتعلق بالقضاء والأحكام فيسود بين الناس الأمان والاطمئنان.

8- أن أحكام الشريعة والإسلامية من قصاص وقطع وجلد وهي تطهير للفاعل وزجل له عن معاودة جريمته وعظة للناس وأن المضار الفردية تغتفر ضمن المصالح العمومية بينما الدولة التي تصر على المنكرات والمعاصي تظهر علانية بدون إنكار منهم فالمشاهد أن الله يهلكها في الدنيا بالضعف والشقاق والفتن وخراب العمران فتضعف قوتها وتزول منعتها ويتمزق شمل ملكها ويستولي عليها من يطمع فيها ويذيقها عذاب الذل والهون.

9- لا يجوز لأحد أن يحكم ويتحاكم إلى غير شريعة النبي صلى الله عليه وسلم لأن شريعته هي خاتمة الشرائع

وقد استدل رحمه الله على ذلك بأنه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم على يد عمر قطعة من التوراة قال له: " ياعمر لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ولو كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي"

وقال رحمه الله: لقد مكث المسلمون ثلاثة عشر قرنا والناس كلهم يتحاكمون إلى الشريعة الإسلامية راضين بها ومنقادين لحكمها قسطا تقطع عن الناس النزاع تعيد خلافهم إلى مواقع الإجماع ويرى رحمه الله أن المذاهب الهدامة تكثر في البلدان التي يحكم فيها بالأنظمة والقوانين لعدم العقاب والعتاب عليهم فيما يقولون ويفعلون وأن من أمن العقوبة أساء الأدب فتنشأ عنها فتنة في الأرض وفساد كبير بينما الأحكام الشرعية الإسلامية تحمي عقيدة الدين أشد مما تحمى به الدماء والأموال لكون الشريعة مبنية على حفظ الدين والأنفس والأموال والأعراض والعقول.

ويقرر الشيخ الجليل أن كل ما يقع بين الناس من المشاكل في العقود والشروط والشركات وسائر المعاملات المستحدثة فإن طريق حلها وبيان صحيحها من فاسدها سهل ميسر عن طريق الفقه الإسلامي الصحيح بدون رجوع ولا حاجة إلى الأنظمة والقوانين الوضيعة وذلك برد الفروع المسكوت عنها إلى الأصول المنطوق بها وأنه لا واقعة إلا ولها حكم مدلول عليها بالنص أو بأصل من الأصول المستخدمة من النصوص وأن قضاة الشرع ملزمون بتحقيق النظر في حكم المعاملات المستخدمة والاستعداد لكشف ما يشكل منها عند المنازعات لأنهم متى سكتوا على الحكم في هذه القضايا أو أعرضوا عنها بدعوى التورع منها أو حكموا فيها بالتحريم بدون دليل وقد راج بين الناس إباحتها فحينئذ يظن قضاة النظم والقوانين أنه من قصور فقه الإسلام عن حل مثل هذه المشاكل العظام فيسيئون الظن بالإسلام وبالقضاة الشرعيين الذين إذا لم ينظروا في مثل هذه القضايا فإنه لا بد أن ينصرف إلى غيرهم .

وقد توصل بعلم رحمه الله بعد البحث والتمحيص والاجتهاد إلى أن التأمين على حوادث السيارات والطائرات والسفن والمصانع والمتاجر مباح لا محظور فيه أما التأمين على الحياة فإنه غير صحيح ولا مباح وأن نظام التعامل والتعاقد في الإسلام لا ينحصر على أشياء معينة من العقود المسماة عند الناس وأنه يجوز عند استحداث عقود وتعاملات تتساير مع العقود الصحيحة مع سلامتها من الربا والميسر وسائر وسائل البطلان وكذلك جواز بيع أسهم الشركات لكونة من باب المخارجة وغير ذلك من المعاملات المستحدثة.

هذه مجرد أمثلة نقتطفها لدفاع الراحل الكريم عن الشريعة الإسلامية إلى سطور كتبها هذا القاضي العظيم تبين بجلاء عدله وإنصافه ورحمته وفهمه لروح الشريعة الإسلامية فقد كتب " إننا بتولينا للقضاء لقد عرفنا أن القاضي الشرعي يكلف الزوج بالنفقة على مطلقته إن كانت حاملا حتى تضع حملها ثم ينفق نفقة الرضاع فينفق عليها وعلى عياله منها ما داموا في حضانتها لا عتبار أنها بمثابة الخادم لإصلاح أمرهم وحسن تربيتهم فهو إن كلفته المحكمة الشرعية بأن تحكم عليه بذلك طبق ما أوجبه الله عليه لكن أكثر الناس من أجل عدم العدل والإنصاف لا يستجيبون لهذا الحكم ولا ينقادون لتسليم ما وجب عليهم إلا مكرهين وأكثر الناس إن تسموا بأنهم مسلمون لكنهم لا ينصفون من أنفسهم وحتى بعض العلماء رأينا أحدهم يهمل عياله مع كثرتهم عند أمهم ويقطع نفقتهم عنها ويتركها تقاسي مرارة أكدارهم بدون نفقة ولا اهتمام بأمرهم والمرأة لا تستطيع أن تطالب بحقها عند الحاكم الشرعي في كل شهر فلا تقدر على الذهاب للمطالبة في المحكمة وتختار أن يذهب حقها ولا تبرز للمطالبة والشكوى فهذه معاملة غالب الناس في حال التزوج بالجدد من النساء ووقوع الطلاق منه على أم عياله كأنهم لم يفهموا حكمة الله في مشروعية الطلاق والإنفاق وهؤلاء يعتبرون من الرذلاء الذين ساءت طباعهم وفسدت أوضاعهم فلا أخلاق ولا إنفاق ولا كرم"

تقلد أمانة القضاء ووضع نظاما لتسجيل القضايا والأحكام وكان يصدر الرأي الشرعي والفتاوي وألف العديد من المؤلفات القيمة واجتهد لعصره الذي عاش فيه فنال مكانا مرموقا وموضعا ساميا في الفقه والقضاء فرضي الله عنه وأرضاه.

انتهى