جوانب مضيئة من حياة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود

الشيخ عبدالله البصير

الله نور السماوات والأرض تنشر أنواره بين خلقه فيكون منهم رجال بمثابة عدسات تتلقى هذه الأنوار لتعكسها على خلقه هداية وإرشادا امتدادا لأنوار النبوة قياما بواجب الإرث "العلماء ورثة الأنبياء" فلا يخلو زمان من هذا الصنف من الرجال حتى تتم الحجة لله على خلقه والله يهدي إلى نوره من يشاء.

أناس تميزوا بسلامة الفطرة وزكاة النفس وصفاء الروح فكانوا مهابط صالحة لأنوار الله اختصهم الله من بين خلقه على علم وأدركوا دورهم المنوط بهم فأقبلوا على مشكاة النبوة يقتبسون منها فحصلوا نورا على نور الهداية على نور الفطرة ونهضوا للقيام بواجبهم فكانوا هداة مهديين يهدي بهم الله من يشاء من عباده.

من هؤلاء الرجال: فضيلة العلامة الجليل الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بدولة قطر يرحمه الله ولا نزكي على الله أحدا إنما هي الذكرى للأحياء حتى يتم الانتفاع بعلمه بعد أن انتفع الكثيرون أيام أن كان بيننا ويعلم الله أنني من الذين طال انتفاعهم به لسنوات تعد عمرا ومنافع تعد ثروة.

فقد كان رحمه الله يعشق البذل والعطاء ويسألني في إلحاح: أن أبعث إلى من تراه محتاجا إلى العون في منطقتك حتى ملأ خيره عشرات البيوت ممن أعرف.

وكان شأنه مع الآخرين من أمثالي هكذا يكلفهم بما يكلفني به يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ويوظف كل من يقدر على العمل دون تباطؤ أو تأجيل.

يهش للعطاء ويفرح بالبذل ويتسع صدره لكل قاصد وفي أبوة حانية يقضي حاجة من يقصده دون أن يشعره بغربة أو امتنان أو حتى إطالة كلام كأنه المقصود من الشاعر الذي قال:

تراه إذا ما جئته متهللا _ كأنك معطيه الذي أنت سائله

تدخل عليه فتحس بحنوه عليك وكأن بينك وبينه رحما أو نسبا فهو كأحد أقربائك يقبل عليك بكليته بسمعه وبصره وفؤاده وفي حصافة بالغة يفهم عنك ما تريد.

وفي سرعة ما كنت تتوقعها يقضي فوق ما كنت تتمنى وتريد فتخرج وقد امتلأ قلبك بحبه وملأ نفسك شعاع من ضيائه وعلمه وعبثا أن يمحو الزمن ما أحدثه في نفسك من أثر.

أما عن علمه فحدث ولا حرج فهو البحر الزخار الذي لا يدرك له قرار كان رحمه الله تعالى موسوعة في الفقه الإسلامي إذا تناول مسألة أتى برأي المذاهب كلها ثم ثنى باجتهاده الذي كان طابعه اليسر على المسلمين ومراعاة الظروف التي وجدت وما يقتضيه العصر في غير تفريط أو ترخيص وإذا أرشد ووعظ هز القلوب بما يأتيه من قوارص الكلم وأبكى العيون خشية من الله جل وعلا ولا يحلق في أفق بعيد عن واقع الناس ولا يكتفي بذكر التعاليم جامدة كما يفعل الكثيرون وإنما يصدر عن واقعهم يصفه وصف الخبير المحنك ثم يقدم له الدواء الناجح من شرع الله عز وجل.

فهو قريب من حياة الناس يأخذ بأيديهم في حنو عطف إلى العلاج الرباني.

كان رحمه الله يشد الناس إليه ولا يبعدهم عنه ييسر ولا يعسر يرشد ولا يعيب أو يذم ليس بطعان ولاهماز ولا يخاف في الله لومة لائم عاش رحمه الله محبا للناس جميعا فنال من الجميع حسن الثناء.

أنزله الله تعالى منزلة الشهداء الصالحين ونفع الجميع بما ترك لنا من علم أمين

هذا: وأجدني في الشهر المبارك وبعد عامين من وفاته أذكره ولو بأقل ما يستحق من مثلي ولا عن نسيان فذكراه عصية على النسيان وكلماته محفورة في ذاكرتي أرددها بين الحين والحين وأهدي إلى محبيه وعارفيه بشكل خاص وإلى كل مسلم بشكل عام بعضا منها وكأنها قبس مشكاة النبوة فيها الحكمة الناصعة والبيان الرائع والنور الإلهي والسجع الجميل الممتع.

قال رحمه الله: إن دين الإسلام هو دين السلام والأمان دين صالح لكل زمان ومكان قد نظم حياة الناس أحسن نظام بطريق العدل والإنصاف والإتقان. فلو أن الناس جميعا آمنوا بهذا الدين وعملوا بتعاليمه ووقفوا عند حدودة مراسيمه لصاروا به سعداء ولما حصل بينهم بغي ولا طغيان ولا اعتداء لأنه (يهدي للتي هي أقوم) فهو دين سيادة وسعادة.

ومن زكائة وفهمه وحصافة رأيه ما يخالف به علماء الكلام في تفريقهم بين النبي والرسول حيث قالوا: إن الرسول هو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه والنبي: هو من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغة فكل رسول نبي وليس كل نبي رسول

قال رحمه الله:" ما الذي تفيده البشرية من وحي لا يؤمر بتبليغه؟ فهذا يعد من الخطأ المتناقل الذي اشتهر على ألسنة الناس في كل بلد فظنوه حقا وهو لا صحة له إذا لا يوجد نبي أوحي إليه بشرع من الأمر والنهي والفرائض والأحكام والحلال والحرام ثم يصر على كتمانه وعدم بيانه لكون هذا ينافي مقتضى الرسالة والأمانة فكلهم مكلفون بنشر الدعوة وتبليغ الرسالة"

والصواب معه رحمه الله وهذا ما نعتقده ونطمئن إليه.

ولقد جابه أدعياء الإسلام الذين يدعونه دون القيام بواجباته فأنزلهم مكانهم من الدين بقوله: إن كل من يتسمى بالإسلام على الحقيقة فإنه لا بد وأن يظهر إسلامه علانية للناس بحيث يرونه يصلي مع المصلين ويصوم مع الصائمين يؤدي زكاة ماله إلى الفقراء والمساكين فيظهر إسلامه علانية للناس بحيث يشهدون له بموجبه والناس شهداء الله في ارضه.

أما من يتسمى بالإسلام وهو لا يصلي ولا يزكي ولا يصوم فلا شك أن إسلامه مزيف مغشوش لا حقيقة له فهو إسلام باللسان يكذبه الحس والوجدان والسنة والقرآن ومن ادعى ما ليس فيه فضحته شواهد الامتحان.

ولقد توسع في مفهوم الربا حيث قال رحمه الله: كل مال اكتسب من حرام فهو ربا وعاقبته إلى قلته كما في حديث ابن مسعود أن النبي عليه الصلاة السلام قال: إن الله قسم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من أحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه والذي نفسي بيده لا يكتسب عبد مالا من حرام فيبارك له فيه أو يتصدق منه فيتقبل منه أو يخلفه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن إن الخبيث لا يمحو الخبيث"

وقد خالف رحمه الله علماء عصره في فتواه بشأن رمي الجمار حيث توسع في وقتها فأباح الرمي قبل الزوال وفي أي ساعة من ليل أو نهار مما أثار بعض العلماء وأقاموا الدنيا وما أقعدوها ضده.

واليوم نراهم وقد عادوا هم أنفسهم إلى فتواه بعد أن لمسوا حاجة الناس الملحة إلى ذلك.

ولشيخنا رحمه الله تعالى نظرية نفسية تربوية حيث يقول: إن إدمان رؤية المنكرات تقوم مقام ارتكابها في سلب القلوب نور التمييز والإنكار لأن المنكرات متى كثر على القلب ورودها وتكرر على العين شهودها ذهبت وحشتها من النفوس شيئا فشيئا إلى أن يراها الإنسان فلا يميز بفكره أنها معاص ولا ينكر بعقله أنها منكرات وذلك لسلب القلوب نور التمييز والإنكار وعلى ما قيل: إذا كثر الإمساس قل الإحساس.

هذا: وهو رحمه الله أول من عرف الناس هنا تفضيل الصدقة على المحتاجين من الفقراء والمساكين على حج التطوع وكذلك عمرة التطوع حيث يقول: ينبغي للإنسان أن يفعل من التطوعات ما هو أصلح لقلبه وأنفع في وقته فقد يصير العمل الفاضل مفضولا في بعض الأحيان وكذا عكسه من ذلك أن الصدقة على الأقارب المحتاجين وعلى الفقراء والمضطرين أفضل من حج التطوع سواء كان حجة عن نفسه أو عن والديه وأقاربه الميتين لكون الصدقة تصادف من الفقير موضع حاجة وسدة فاقة ولا شك أن العمل المتعدي نفعة إلى الغير أفضل من العمل المقصور على النفس.

هذا: ولا يتسع وقت القارئ وتضيق الصفحات عن ذكر الكثير من مآثره في العلم وبين الناس وعذرنا أن ذكرنا قطرة من فيض فيها الشهادة التامة على الفهم الواسع و الرؤية الثاقبة والروح الصافية والنفس الزكية المترعة بحب الله ورسوله نفع الله به أجيال الأمة وعليه من السلام في دار الخلد بين الأرواح الطاهرة والملائكة المقربين.

انتهى