النجم الذي غاب العلامة عبدالله بن زيد آل محمود عليه رحمات الله

الشيخ عبدالسلام البسيوني

بعد انتقال الشيخ عبد الله بن زيد إلى رحمة الله تعالى خصصت صفحة (بصائر) التي كانت تصدرها إدارة الشؤون الإسلامية في وزارة الأوقاف للحديث عن الشيخ ومآثره من خلال الحوارات الصحفية والمقالات الراثية ومنها هذا الحوار الذي اجراه الشيخ عبد السلام البوسني:

كما تضعف ذاكرة الأفراد إذا دب إليهم الشيب أو المرض فإن الأمم كثيرا ما تضعف ذاكرتها إذا سقط بعض رموزها العلمية ممن يحملون في عقولهم بعض علمها وفقهها ومنهج مسيرتها الفكرية والحضارية.

وقد سقط في هذا العالم – 1417هــ - أربعة من علماء الأمة الكبار الذين كان لهم تأثيرهم في الفكر الإسلامي والجهاد الدعوي والعلمي والحضور الإجتماعي المؤثر بدءا بفضيلة الشيخ الغزالي ثم بفضيلة شيخ الأزهر الشيخ جاد الحق ثم بالشيخ بالمجاهد عبد الحميد كشك عليهم رحمات الله ورضوانه ثم في أواخر رمضان المبارك اختار الله سبحانه فضيلة الشيخ العالم الجليل عبد الله بن زيد آل محمود رحمه الله وأكرم الله نزله لنحس معنى انتزاع العلم بقبض العلماء وهو مما يعطي أشباه المتعلمين وأنصاف الفقهاء وأرباع المفكرين فرصة لأن يصولوا ويجولوا بعد أن خلت الساحة وأقفرت المرابع وفي تصديق لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم عن نزع العلم بقبض العلماء. ولا شك أن أهل قطر والخليج يعرفون جيدا من هو الشيخ "ابن محمود" عالما وفقيها وقاضيا ومفكرا جريئا يكتب ما يظن أن حاجة المسلمين تمس إليه فكان إذا أحس بحاجة الناس إلى الاستنارة بحكم الشرع في قضية من القضايا سارع بالنظر فيها وتأمل نصوصها والاجتهاد في موادر نصوصها حتى إذا وصل فيها إلى قناعة بادر بالجهر بما اقتنع غير هياب ولاوجل ولا متردد ولا عجب ينبغي أن يخامرنا إذا استقرأنا عناوين مؤلفاته لنجدها تترواح بين الرسائل الإصلاحية كما في: " إدخال الإصلاح والتعديل على مدارس التعليم" و " نهاية المرآة الغربية " و "رسالة الخليج في منع الاختلاط" و " الحكم الجامعة" و "المسكرات وعموم ضررها " و "انحراف الشباب عن الدين" و "منع سفر البنات" وغيرها.

والرسائل الاقتصادية مثل: "أحكام عقود التأمين" و "تحريم الربا بأنواعة" و "محق التبايع بالحرام"

و الرسائل التي تتناول العقيدة مثل: " الأحكام الشرعية ومنافاتها للقوانين الوضعية" و "تثقيف الأذهان بعقيدة الإسلام والإيمان" و "الإيمان بالأنبياء بجملتهم " و "القضاء والقدر" و "لا مهدي ينتظر" و "القول السديد " و"البراهين البينات" وغيرها.

والرسائل التي تعرض الأطروحات السياسية الشرعية مثل: "الأمراء والمسلطون" و " الجندية في الإسلام" و " الاشتراكية والماركسية" و "الجهاد والمشروع" و "الأحكام والشرعية ومنافاتها للقوانين الوضعية" وغيرها.

والرسائل الاجتهادية في النوازل العصرية مثل: " جواز تحويل المقام" و "اجتماع أهل الإسلام على عيد واحد" و "جواز الإحرام من جدة " و "اللحوم المستوردة" و "الطلاب المبتعثون للخارج" و "جواز تحديد الصداق" و "كراهية التزوج بالكتابيات" و "إبطال التلقيح الصناعي

وموضوعات أخرى كثيرة ومنوعة تدل على ثراء فكر الشيخ وسعة أفقه وقيمته الفقهية والعلمية وفي سبيل استقرار بعض الجوانب التي تميز بها فضيلة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رحمه الله التقينا فضيلة الشيخ عبد القادر العماري الذي عمل بجوار الشيخ ابن محمود سنين طوالا وعرفه عن قرب واطلع على فقهه وعلمه وقدراته محاولين رسم صورة تقريبية بالقلم نقدمها للقارئ الكريم في محاولة لتقديم بعض حق الشيخ علينا يقول الشيخ عبد القادر العماري:

فأما على كرمه فاشهد أنه كان كريما سخيا يعطي من فضل الله عباد الله ويكثر من ذلك مع الفقراء المحتاجين، ولم يقتصر كرمه على ذلك فما أكثر ما أقام الولائم للعلماء والقضاة والوجهاء والضيفان ولقد فقدنا الولائم العامرة وفقدنا الجريش النجدي وهداياه من التمور الفاخرة التي كان تصل من مزارعه والتي كانت تعمر بها موائده.

مما أشهد – والله شهيد – أنه كان حريصا جدا على تربية أبنائه حفيا بذلك وكان كثيرا ما يدعو لهم في سجوده وصلاته سائلا الله أن يبارك فيهم ويحسن إليهم وكنا نعرف هذا عنه ونحسه منه فكان كذلك أبا مميزا رؤوفا.

من أهم الجوانب التي تميز بها الشيخ عليه رحمة الله الجانب اللغوي فقد كان ذواقه للشعر والأدب والمطلع على رسائله لن تخطئ عيناه كثرة استشهاده بالشعر العذب الجميل كثرة إيراده هنا وهناك وكانت له أبيات وعبارات يكثر من استخدامها وإيرادها في كلامه وكتاباته مثل قول الشاعر:

وتفاوت العلماء في أفهامهم - في العلم فوق تفاوت الأبدان

وقول الشاعر: منعت شيئا فأكثر الولع به - أحب شيء إلى الإنسان ما مُنعا

وقوله: أراد الله تيسيرا وأنتم - من التعسير عندكم ضروب

وقوله: ألا قاتل الله الضرورة إنها - تبيح للمضطر أدنى الضرار

وكثيرا ما كان يردد: قل الحق في وجه سامع - ودعه فنور الحق يسري ويشرق

سيؤنسه رشدا ونسي نفاره - كما نسي التوثيق من مطلق

وكان يختم مقالاته بعض رسائله بقول الشاعر:

هذا الذي أدى إليه علمنا - وبه ندين الله كل زمان

وقد عددت له 263 شاهدا من الشعر في كتابة: الحكم الجامعة فقط.

ذاكرته:

كان رحمه الله عليه ذا ذاكرة سيالة وحافظة نادرة يحفظ النصوص والأدلة والأشعار وأقوال الأئمة ويستحضرها بمنتهى اليسر ومن آيات الله تعالى فيه التي تدل عل التوفيق والبركة أنه لما أصابه ضعف الشيخوخة وبدأ النسيان يقتحم ذاكرته القوية لتهزمه السنين وتغلبه سنة الله تعالى في كبار السن أنه في ذات مجلس وكنت موجودا معه مع كثيرين يشهدون بذلك أن أحد أبناء الشيخ كان يمسك بالمصحف ليسمع للشيخ ورده من القرآن الكريم والشيخ يقرأ عليه وهو في مرضه الذي ضعفت فيه ذاكرته جدا ودخل عدد من الناس إلى المجلس وانقطعت القراءة وطالت فترة الانقطاع ثم انصرف الناس فأراد الشيخ استئناف التسميع وحدد لابنه الموضع الذي وقف عنده وكنا نحن قد نسيناه فتعجبنا من ذلك

وكان الشيخ حتى آخر أيامه يقرأ القرآن الكريم ولا ينسى منه شيئا مع أن القرآن الكريم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم سريع التفلت لكن كان ذلك بفضل الله أولا ثم بحرص الشيخ على مراجعة محفوظه من كتب الله من خلال ورد يومي استمر عليه طوال حياته وفي أثناء فراغه في المحاكم الشرعية لم يكن يشغل نفسه بغير مراجعة القرآن الكريم.

تميزه الفقهي:

ولم يكن الشيخ جامدا في الناحية الفقهية مع تقديره للأئمة والعلماء ومع حبه الشديد وكثرة استشهاده بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان يقول عنه: "ابن تيمية حبيبنا وليس ربنا ولا نبينا"

وكان إذا جدت مسألة يجمع القضاة يستشيرهم وفي مجلسه كان يثير المناقشات مستطلعا آراء الحاضرين من أهل العلم والفقه وكان إذا لم يجد تخريجا مقنعا للمسألة في المذاهب الأربعة لجأ إلى آراء الأئمة خارج المذاهب كابن تيمية وابن القيم فيما انفردا به عطاء وطاووس وغيرهم.

لقد كان الشيخ رحمه الله ينظر في القضايا نظرة القاضي المجتهد لا نظرة المقيد بنصوص الفقهاء فكان عندما تعرض عليه القضية بنظر إليها نظرة شاملة تنظر في منطوق النصوص ومفهومه وتستوحي روحه ومقاصده وهذه هي النظرة الصحيحة التي كان ينظر بها قضاة السلف وهي ولا شك تختلف عن نظرة القانونيين الوضعيين الذي ينظرون نظرة ضيقة مقيدة بحرفية القانون فلا يخرجون عن النصوص المدونة ولو ترتب على ذلك ضرر بالغ بالمصلحة العامة أو بالطرف المظلوم أو المجني عليه.

ملامحه الفقهية:

ويواصل الشيخ العماري: لو حاولت أن أحدد ملامح لفقه الشيخ رحمه الله لقلت إنه كان يعتمد في نظرته التيسير ورفع الحرج وكان يهتم بملاحظة قوة الدليل الذي يستدل به وهو أو غيره مهما كان المخالف وكان يخرج خارج نطاق المذاهب الأربعة الكبرى بحثا عن الأدلة وكانت مرجعياته كلها من السلف وكان يبتعد قدرة جهده عن تفاصيل الخلافات الفرعية العقيدية والفلسفية وكما أشرت من قبل كان ذا ذاكرة قوية حافظة سيالة يستحضر بها النصوص الشرعية بسهولة كما كان دائم الرجوع للمراجع وكثيرا ما كان يأمر بإحضار كتب من الكتب في مجلسه ليقرأ عليه أو ليستوثق من نص أو رأي أو دليل فإذا اقتنع بالرأي صمم عليه إذا سمع رأيا أو قضاء من غيره فأعجبه أيده وشد على يده وكثيرا ما كان يرسل لي أرواقا منه لتأييدي في حكم لإثباته وتوطيده.

والحق أنه كان عالما مميزا وفقيها جريئا في الحق وصاحب أفق رحب واجتهادات موفقة فرحمة الله عليه ورضوانه.

انتهى