العلامة ابن محمود تسعون سنة في تقوى الله وستون سنة في القضاء وخمسون مؤلفا

زهير الشاويش

ترجع معرفتي بالفقيد إلى سنوات زادت على الخمسين سنة وقد تتلمذت عليه في دروس والفقه الحنبلي خاصة وعلى كتبه التي شرفني بطبعها له وفي المدارسة والمناقشة معه فيما كان يجتهد به من القضايا الكلية أو الفروع في الأمور العامة التي كانت تمر بنا.

والناظر في مؤلفاته التي زادت على الخمسين يجد أن عددا منها مؤلف من رسائل عديدة صغيرة كل واحدة في موضوع مما يهم الناس في شؤون دينهم ودنياهم.

أبرز ذلك في كتابة القيم: "مجموعة رسائل الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود" المؤلف من ثلاثة مجلدات كبار طبع المكتب الإسلامي.

وكان في كل ذلك العالم الواسع لمعرفة الرحب الصدر والمتقبل لرأي المخالف له والنازل عند رأي إخوانه بعد إقتناعه والراجع إلى الصواب إذا علم أنه استند إلى الدليل الصحيح.

وكان الرجل الكريم الباذل للمال بسماحة نفس وسخاء يد في جميع سبل الخير وأيام وجودي في قطر كان يكلفني بحمل بعض المال إلى الذين يفدون إلى بلده من أقطار العالم الإسلامي من العلماء وطلاب العلم لسد حاجات لهم وأحيانا كان يشتري لهم الكتب والثياب ليكون التقديم على سبيل الهدية.

وكان الشيخ ميسور الحال مع تعففه ونزاهته وترفعه ومن الذين يحبون أن تظهر عليهم نعمة ربهم فتراه ينفق كما ينفق غني الناس ومن أحسن ممن ينفق ويتكرم سرا ولا يكاد يخلو بيته من ضيوفه ولعل أكثرهم من خارج البلاد وكان سبب ماهو فيه من يسر هو من تجارة يجريها بواسطة وكلاء في الأراضي والبناء وما إليها في قطر والسعوديه.

وكان العالم الشجاع المتبع للدليل المقتنع به وقد يقف عند رأيه ويقابل في ذلك غيره من أهل العلم وأصحاب المناصب الكبيرة.

وأذكر يوم أن دعا إلى أن الرمي أيام منى يكون في كل أيام التشريق غير محدد بالوقت بعد الزوال وكان ذلك يسر الإسلام وآثار موقفه عددا من أهل العلم والحكام وشهدت معه المجلس الذي عقد له في الرياض برئاسة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم المفتي العام للدولة والسعودية رحمه الله وفي المجلس العديد من العلماء وبعضهم من مشايخ ابن محمود وتُبودلت الآراء والشيخ عند رأيه ونقل الملك سعود إلى الشيخ علي آل ثاني رحمهما الله وجهة نظر علماء السعودية المخالفة لما ذهب إليه ابن محمود وأعطاه رسالة مطبوعة بالرد عليه وكل ذلك بحضور الشيخ ابن محمود والخلاصه أن الشيخ ابن محمود بقي عند رأيه ولم يتراجع واليوم أكثر حجاج بيت الله الحرام من جميع العالم الإسلامي يرمون الجمار على رأي ابن محمود في رسالته: "يسر الإسلام في أحكام حج بيت الله الحرام ولم يوافق بدخول عيد الفطر في إحدى السنوات تبعا للسعودية التي اثبتت دخول الشهر واستمر على الصيام ومعه أهل الدوحة والشيخ علي آل ثاني أفطر وعيّد في ناحية الريان من ضواحي الدوحة.

وبعد سنوات أخرج كتابا في لزوم توحيد دخول يوم العيد وسماه: "اجتماع أهل الإسلام على عيد واحد كل عام" واقترح فيه تشكيل لجنة مقرها مكة المكرمة ويشارك فيها مندوبون من الدول الإسلامية بحيث تلتزم جميع الدول بقرارها.

وإن المتتبع لمؤلفاته يجد فيها التنوع في كل ما يحتاجه العباد فهو ينتقل من التوحيد الذي عليه اعتماد أهل الإيمان، إلى الفقه الميسر الذي عليه معاش الناس إلى النصائح في الأمور اليوميه التي تدور عليها الحياة عند الأفراد والمجتمعات وكان نصحه إلى الحكام في بلده بل وغيره من بلاد الإسلام محل تقدير ومحل إعجاب مضافا إليه تبادل الرأي والنصح مع إخوانه من أهل العلم والمعرفة.

وقد أكرمني الله مع قاسم الدرويش رحمه الله بتقريب وجهات النظر بينه وبين أستاذنا العلامة الشيخ محمد بن مانع تغمده الله برحمته وكان من نتيجة ذلك أن قال الشيخ ابن مانع لحاكم البلاد بحضور عدد من أهل العلم والوجاهة: " عليكم بالشيخ ابن محمود فوالله إن ذهب أو تُرك فلن تجدوا مثله ".

وكان رحمه الله في كل ما يجتهد به يتحسس حاجة الأمة وينطق بلسان الشرع مراعيا أثر ذلك على العباد.

وعندما أقيم مؤتمر السنة السيرة احتفالا بدخول القرن الخامس عشر للهجرة النبوية في الدوحة بتاريخ 1401هــ كان أعد خطبة بالمناسبة ولكن قامت يومها فتنة عظيمة تبناها بعض تلامذة ممن أخذوا الحديث عن أهل النصوص والجمود وضيق الأفق من غير إدراك لأبعادها ومراجعها ونتائجها وأقصد فتنة قيام المهدي في مكة المكرمة رابع أيام التشريق واحتلالهم الحرم الشريف وقيامهم بأعمال القتل والفساد.

فعدل خطبته إلى كلام معتمد رصين متين عنوانه: " لا مهدي ينتظر بعد محمد سيد البشر" ولخصه مما سبق إليه أحد العلماء " أن احاديث المهدي الصريحة غير صحيحة والأحاديث الصحيحة غير صريحة "

وبذلك قضى يومها على تلك الفتنة في أوساط أهل السنة والجماعة وأما عند الشيعة فإن نصوصهم غير نصوصنا ولا علاقة ولا رابطة بين فهمهم وفهمنا ولكل وجهة نظر هو موليها.

وأقول إنني منذ أدركت الوعي ما أزال أسمع عن رجوع المهدي وقيام المهدي وأن فلانا هو المهدي حتى تجاوز عدد الذين سمعت بهم الخمسين وكلهم والله اخفقوا في إثبات المهدوية في أي علاقة مقبولة أو واردة في خبر صحيح وبقي أن من زعم الأدلة على ذلك خارج دائرة العلم المقبول

وعندما أرادت دائرة المعارف إدخال العلوم الكونية في مناهج التعليم وتعليم البنات قامت معارضة لذلك وقد تستر المناوئون بها وراء أمور لا تمت إلى العلم والمعرفة بوجه من الوجوه زاعمين أنهم وراء الحاكم القاضي.

والقاضي كان يومها خائفا على النشئ من سيطرة الحياة الغربية والعلوم الوافدة علينا والحاكم كذلك كان متأثرا بما كان عليه من الخلافات وانقسامات لجنة المعارف على بعضها وكانت المستشارية البريطانية تعمل على دس ما يغرق البلد في الخلافات ولكن الأمر حل في جلسة واحدة مع فضيلة الشيخ ابن محمود. واصدر موافقته على ذلك .

ومن هنا نرى صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: " إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء " متفق عليه.

وإننا نشهد الله على أننا نودع رجلا عظيما من رجالات العلم الذي قدم النافع للناس وأنه ليس معصوما ولكنه مرجع للحق ولا نزكي على الله أحدا

فعليك يا شيخ الدعوة الإسلامية ورجل الخليج الواعي رحمة الله وغفرانه والله أسأل أن يرحمك رحمة واسعة ولله ما أخذ ولله ما أعطى وإنا لله وإنا إليه راجعون.

انتهى