في فضيلة الشيخ عبدالله بن زيد

الشيخ عثمان الصالح

يقال إن من أشراط الساعة فقدان العلماء وقلتهم الذين بهم يهتدى بعلمهم يقتدى ويقال أيضا في قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ﴾ [الرعد: 41] إن من ذهاب العلماء نقصهم وعدم توفرهم وإننا الآن نفقد شخصا عظيما وعالما جليلا هو الشيخ عبد الله بن زيد القاضي (رئيس الهيئات العلمية) في دولة قطر الشقيق الذي نهل العلم على فقيد الأمه وعالمها ومفتيها الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ وتعلم أيضا على أعلام من المشايخ كالشيخ عبد الملك بن إبراهيم آل الشيخ والشيخ عبد العزيز بن محمد الشثري (أبو حبيب) ولازمه أكثر من ثلاث سنوات وحفظ متونا كثيرة ودرس أمهات الكتب في الفقه والتوحيد كما كان بارعا في النحو ودرس الألفية لابن مالك وقطر الندى ومئات من الأحاديث النبوية التي حفظها عن ظهر قلب وكان رحمه الله شغوفا بالعلم محبا له فلا يسمع بعالم جليل في أي قطر من أقطار المسلمين حتى يذهب إليه كما طلب العلم على العالم العلامة في الدين واللغه والنحو سماحة الشيخ محمد بن مانع رحمه الله ولازمه سنوات وأتقن على يديه كتب الفقه والتفسير والحديث ولقد أعجب به بعد عودته إلى الرياض وملازمته للشيخ محمد بن إبراهيم فإنه حينما كلف الشيخ محمد بن إبراهيم باختيار ثمانية من المشايخ للذهاب إلى مكة المكرمة للوعظ والتدريس بها ويكونون تحت طلب الحكومة لسد حاجة الأقاليم من القضاة كان الشيخ عبد الله بن زيد أحدهم ومكث فترة للوعظ فيها وكان الشيخ عبد الله بن قاسم آل ثاني حاجا عام 1359هــ قد آتى بصحبة ابنه الشيخ حمد بن عبد الله وعدد من أفراد الأسرة الحاكمة في دولة قطر ووقع اختيار حاكم قطر بإيعاز من الشيخ محمد بن مانع على فضيلة الشيخ عبد الله بن زيد بن عبد الله بن محمد بن راشد بن ابراهيم محمود وكان ميلاد الشيخ عام 1327هــ في حوطة بني تميم وترعرع في كنف والديه وكان والده تاجرا ووجيها معروفا في أوساط المنطقة ولهذا فقد ذهب إلى قطر وظل فيها قاضيا ومفتيا ومعلما فيها للطلاب والدارسين في حلقات التعليم والجماعات المهتمة بالعلم والدين والقضاء وتخرج على يديه طلاب كثيرون أفادوا واستفادوا منهم وللشيخ عبد الله بن زيد رحمة الله اليد الطولي والفكرة الأسمى والعمل الأتم في تأسيس القضاء الشرعي في قطر وترسيخه على دعائم قوية ولبِنات راسية قامت راسخة وثابتة على توجيهه ومن تعلم على يده ومن يختاره ممن يرضى، فكان على يديه القضاء وتأسيس الأوقاف وحفظ الأوقاف وتنمية أموالها والحرص على اليتامى واستثمار أموالهم ورسخ هذه الدوائر ترسيخا كاملا بالأفاضل من الناس الأخيار والعلماء الأبرار وطلاب العلم النبهاء.

والشيخ لوعيه وحفظ وما يختزنه من الأحاديث ومعاني القرآن يخطب مرتجلا لا يتلكأ ولا يتلعثم في الجمعة والأعياد ولقد حضرته واستمعت إليه في كلتيهما يعطي من اللفظ أجوده ومن المعاني أفضلها وكان إلى جانب هذا عليما في اللغة بصيرا بها وفي المفردات في اللغة الفصحى فلا أجل منه في ذلك ولا أفصح فيها منه معنى ولفظا وكان للغة وآدابها مكان في وعظه وخطبه ويحفظ من المفردات والحكم والألفاظ الأدبية ولأشعاره ما يجعل منها ملحا في خطبه في العيد والجمعات، وله كتب ورسائل ومقالات كلها في العقيدة الإسلامية والدين والأدب والنصائح وله رسائل في الأمور المحرمة كالخمور والربا والاختلاط والزنا والزواج من الكتابيات والتلقيح الصناعي ومن أهم كتبه وأثمنها وكلها ثمينه كتاب الإيمان والقضاء والقدر عقيدة الإسلام والبدع ومحاربتها كالاحتفال بالموالد ومن أهم رسائله أيضا: الإصلاح والتعديل لما وقع في اسم اليهود والنصارى من التبديل ووجوب الإيمان بكل ما أخبر به الرسول في القرآن ومعجزات الأنبياء ورسالة واجب المتعلمين والمسؤولين في الحفاظ والمحافظة على أمور الدين وللشيخ رحمة الله سبعة عشر ولدا أكبرهم محمد وهو من رجال الأعمال ومساعد في غرفة تجارة قطر والشيخ عبد الرحمن رئيس المحاكم الشرعية بدرجة وزير وأحمد وزير دولة وعلي سفير دولة قطر في المملكة العربية السعودية والباقون في خدمة دولتهم قطر في الجيش والسفارات وفي الجيش والأمن ضباط كبار وفي الأوقاف وسائر المرافق، نشؤوا أولا في بيت علم عريق ثانيا قربهم من الدوائر وولاؤهم لدولتهم التي غرسها فيهم والدهم رحمه الله.

إذن: فالخسارة بفقده خسارة علمية ودينية ولكن من تركه وخلفه من الطلاب من أولاد وأبناء قطر الأمناء قاموا مقامه وأدوا الرسالة وإن كان لا يسد فراغه أحد ولكن فيهم الخير والبركة والسداد في سائر المجالات الوطنية والعلمية والأدبية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والذي يذكر له بغاية الأعجاب والإكبار أما الكرم فهو بحر لا ساحل له لا يأتي ضيف إلى حاكم دولة قطر إلا وهو بعد الحاكم لليوم الثاني عنده مدعوا مكرما.

وكان لا يسلم عليه قادم إلا ويحظى بقدر من التكريم وأذكر أننا قمنا يوما في عطلة العيد واخترنا قطر لنكون في ساحته متجولين وأحوالة متعرفين وأقمنا بربوعة بضعة أيام لكننا فوجئنا في اليوم التالي وكنا ساكنين في نخل جميل سامق وحواليه أشجار (القرط) الظليلة – فما علمنا إلا برجل يقف علينا ويقول بدون مقدمات: (الشيخ عبد الله) رئيس القضاء يدعوكم إلى بيته فقلنا: ومن عرفه بنا؟! فقال: (أنا رسول والرسول يبلغكم الأمر) على أنه لم يعرف أسماءنا ولكنه تفرس أننا غرباء من السعودية تمهلنا قليلا فلا نعلم إلا رسول ثان يأتي يقول: الشيخ في أنتظاركم فما كان منا إلا أن بادرنا للذهاب إليه وسلمنا عليه وسألنا عن أسمائنا فوجدت أنه يعرفني وتناولت عنده الغداء وأعلمنا بأن لديه رجالا يخبرونه بمن قدم ومن رحل من أرجاء قطر وعاتبنا على عدم مبادرتنا وكان أولاده في غاية الحيوية ويتقمصون شخصيتة.

هذا ولقد تكرر زياراتنا كما كانت علاقتنا بالشيخ عبد الرحمن ابنه علاقة إخاء وود نذهب إلى قطر ونكون ضيوفا عليه وهو في رحاب أبيه ويصعب بل لا تستوعب صفحاتي هذه لأذكر مطارحتنا له في الشعر وما يحفظه من الأدب العربي الفصيح وما يلم به من أسمائه ومعانيه كالأدب الجاهلي والكتب الضخمة الموسوعات التاريخية والأدبية وعن الشعراء البارزين كأبي تمام والبحتري والمعري والمتنبي وعن الجاحظ وأبي حيان وغيرهما ممن هم أركان النثر في فصحانا.

وأخيرا وليس آخرا فعزائي إلى حاكم دولة قطر الشيخ حمد آل ثاني وإلى أبناء عالمنا الراحل وأسرته الغالية وأحفاده هذه الأبيات التي جاءت من محب وصديق وحفي بالأسرة المحمودية وأبنائها الغر والمباركين والرجال الميامين في دولة قطر المجيد وفي عهدها " الحمدي " السعيد وفي نهضتها العامرة وقفزتها الزاهرة:

إني أعزي أمة قطرية – (حمدية) للدين خير عماد

في حبرهم علامة فهامة – بشريعة الرحمن نعم الهاد

إنا لهذا البدر في فقدانه – بأسى على كل المجامع باد

إن ابن زيد في البلاد فقيدها – وخسارة في (حاضر أو بادي)

لأميرها حمد تعازينا التي – من كل فكر نابع وفؤاد

(قطر) نواسي شعبها بعليمها – حبر القضاء بها عميد بلاد

(ولآل محمود) عزاء خالص – والحب والود المؤكد حادي

إنا نواسيكم به وشعورنا – كشعوركم بمحبة ووداد

عشتم وعاش أميركم في عزة – في غاية الإكبار والإسعاد.

انتهى