من أعلام العلماء المجتهدين عبدالله بن زيد آل محمود (1329هــ 1417هــ)

الشيخ حمد الجاسر

الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود ولد في بلدة (حوطة بني تميم) وقد جاء في كتاب " معجم المطبوعات العربية في المملكة العربية السعودية " للدكتور علي جواد الطاهر أن الشيخ عبد الله رحمة الله ولد في بلد(المفيجر) من إقليم الحريق (وادي نعام) في جنوبي نجد سنة 1329هــ ولكن أبناء الشيخ ينفون هذا بشدة وهم أدرى بحالة والدهم والشيخ عبد الله من أسرة كريمة، أصيلة النسب تنتمي إلى الحسن بن علي ابن أبي طالب رضي الله عنهما وقد تلقى مبادئ العلوم كعادة أهل ذلك الزمان في قريته كان له والدة صالحة كثير الذكر لها كانت توصيه بطلب العلم وتحثه على ذلك فكان أن اتجه لهذه الغايه وسافر إلى قطر سنة 1355هــ وعمرة 26عاما وعاش في كنف ابن عمه سعد بن إبراهيم آل محمود وواظب على تلقى العلم على يد الشيخ محمد ابن عبد العزيز بن مانع رحمه الله فترة ثم عاد إلى نجد وفي الرياض تلقى العلم عن الشيخ محمد بن إبراهيم نحو عام فكان ممن اختاره لما بدا له فيه نجابة وصلاح مع سبعة من طلبه العلم ليوجههم إلى مكة سنة 1359هــ للقيام بالوعظ والتدريس فيها فمكث الشيخ عبد الله فترة من الزمن في خلالها التقى بشيخة الشيخ محمد بن مانع حيث واظب على الحضور على مجالسه للاستفادة منه هو زميل له يدعى محمد بن عبدالرحيم الصديقي.

وفي شهر ذي الحجة عام 1359 هــ قدم الشيخ عبد الله بن قاسم آل ثاني حاكم قطر مكة قاصدا الحج وبعد أداء الفريضة طلب الشيخ عبد الله من الملك عبد العزيز ابن عبد الرحمن آل سعود رحمهم الله أن يبعث معهم رجلا يتولى القضاء والفتيا إذ كانت قطر بعد أن غادرها الشيخ محمد ابن مانع للاستقرار في مكة خالية من القضاة والعلماء فاختاره شيخه الشيخ ابن مانع ليكون خليفة له في تلك البلاد فتوجه الشيخ مع حاكم قطر للقيام بما أسند إليه من عمل وتولى القضاء في ذي الحجة آخر عام 1359هــ واتجه لوضع نظام للمحكمة الشرعية التي تولى رئاستها ولترتيب أمور القضاء وجميع الشؤون الدينية بصورة عامة وتولى رئاسة ذلك منذ عام 1378هــ ولهذا يعد الشيخ عبد الله مؤسس القضاء في هذه البلاد بوضع نظام لتسجيل الأحكام والقضايا ولم يكن القضاة قبله يسجلون أحكامهم كما أوجد شعبا للقضاء تتلاءم مع ما يستجد ما للناس من مشكلات مختلفه فأنشأ ثلاث محاكم شرعية ثم أسس دائرة للأوقاف سنة 1380هــ تُعنى بشؤون المساجد ورعاية الأوقاف وشؤون التركات وبناء المساجد في البلاد واختيار الأئمة والخطباء لها وكان رحمه الله حازما مجدا نشيطا في القيام بأعماله فكان يحضر إلى المحكمة في وقت مبكر جدا ويسعى دائما لحل القضايا غالبا بطريق الاجتهاد والسعي للإصلاح بين المتخاصمين ما أمكن ومقابلتهم.

بكثير من الحلم والصبر حتى مع من لا يعرف قدره ممن يرفع صوته أو يأتي بكلام غير لائق به فكان يتغاضى عن الجميع ذلك ومن شدة حرصه على أحكامه بما يراه حقا أنه كان يقوم بنفسه في مشاهدة ما قد تقع فيه القضية إذا كان عقارا ليثبت من كل ما يتعلق به من حدود وأوصاف مع الاتصال بمن يجاوره من السكان.

ومع أنه رحمه الله حنبلي المذهب إلا أنه كان يجتهد ولا يلتزم فيما لم يتبين له وجه الحق فيه ولهذا كان كثيرا ما يتوخى في آرائه وأحكامه ما يراه حقا بحيث عرفت له آراء اجتهادية في أمور معروفة منها ما يراه من أن الأضحية عن الميت لا تشرع ما لم يوصِ بذلك وقضايا غير هذه أعم وأشمل مما له صلة بمستجدات العصر ولهذا وقع بينه وبين علماء عصره اختلاف في بعضها.

لقد ألف الشيخ رحمه الله كتابا سماه: " اليسر في جواز ذبح هدي التمتع قبل يوم النحر " تصدى للرد عليه بعض العلماء الأجلاء رحمهم الله.

وقد سبقه بالقول إلى هذا أحد علمائنا وهو الشيخ عبد الله بن سليمان بن منيع في كتاب طبع في الرياض سنة 1386هــ ونشر مسلسلا في جريدة " اليمامة".

وألف رسالة بعنوان: " لا مهدي ينتظر بعد محمد خير البشر" وقد رد عليه الشيخ محمود بن عبد الله التويجري في رسالة دعاها: " الإحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر " وفيما يحصل للحجاج عند رمي الجمرات من الزحام والضيق والأذى وأورد نصوص أقوال العلماء في تحديد وقت الرمي وقال: (الصحيح الذي ندين الله به وهو أن المعذور بمرض أو ضعف حال أو من يخاف على نفسه أو حرمه حطمة الرجال فإنه يسقط الرمي سقوطا مطلقا بلا بدل)

وقال أيضا: (والأمر الثاني: أنه يجوز له رمي الجمار من الليل أو النهار) إلى أن قال بعد إيراد آراء العلماء: (فقول هؤلاء العلماء في توسعة وقته وهو مما تقتضيه الضرورة وتوجبه المصلحة في مثل هذه الأزمنة على أنه لا يصادم نص الشارع بل يوافقه).

لقد كان رحمه الله يعالج القضايا الدينيه بحكمة وبصيرة ويبدي فيها من آرائه ما يعبر عن غيرة إسلامية ويحرص على إبراز بعض الحقائق التي قد تخفى على مثل من يعالج هذه الأمور من العلماء في المعاملات التي استجدت في هذا العصر ولم يكن السلف الصالح في الماضي لهم من الآراء ما يوضح حكمها الشرعي. وكلها تدور حول رفع الحرج عن هذه الأمة دون المساس بأي شيء من القواعد الثابتة.

وقد عرفت الشيخ رحمة الله أثناء وجوده في مكة المكرمة ثم ازدادت المعرفة والتواصل بعد أن قام مقام شيخه في تولي منصب القضاء وغيره من الأمور الدينية في قطر وكنت أرجع إليه للاستيضاح عن بعض أنساب الأسر التي له بها صلة ومعرفة فكان لي نعم العون في ذلك.

ولما نشر منسكة في سنة 1375هــ أكرمني فبعث إلي نسخة منه فتحدثت عنه بحديث نشر في " اليمامه" بتاريخ 15-1-1376هــ ولم يرق لبعض علمائنا رحمهم الله وبعد نشر هذا المنسك دعي إلى الرياض فأوضح له أولئك العلماء وجهة رأيهم حيال بعض المسائل التي تعرض لها وأقنعوه بصحتها ومخالفة آرائه فاعتذر وألف شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ مفتي المملكة منسكا أوضح فيه تلك المسائل ونشر سنة 1376هــ باسم: " تحذير الناسك مما أحدثه ابن محمود في المناسك " ولا شك أن الشيخين الجليلين تغمدهما الله بواسع رحمته مهما بدا بنيهما من اختلاف فله غاية سامية وهي خدمة هذه الأمة بإضاح ما يريانه حقا فجزاهما الله أحسن الجزاء وأجزل مثوبتهما .

وعندما دعيت لحضور (المؤتمر العالمي الثالث للسيرة النبوية) الذي عقد في الدوحة في المحرم مطلع العام 1400هــ دعا إلى منزله عددا ممن حضر المؤتمر وكنت بينهم وكان من حديثه إذا ذاك: (أن فلانا –يعنيني – هو الرجل الذي دافع عني) . واسترسل في الثناء علي.

وبعد بضع سنوات زرت الدوحة أنا والأخ الأستاذ عبد الله بن خميس فذهبنا للسلام عليه في الصباح المبكر وكان إذا ذاك في (المحكمة) فوجدناه منشغلا في النظر بقضية خصمين حاضرين فجلسنا غيربعيدين فلما انتهى منهما وكان نظره رحمه الله قد ضعف ظن أن بيننا قضية فاستوضح عنها ولكننا وقد سبق أن عرف اسمينا قبل جلوسنا دعانا كخصمين فكررنا له التعريف فاعتذر رحمة الله بالكبر وحدد لنا وقتا لزيارته في البيت فاستقبلنا استقبالا حسنا.

لم يكن الشيخ رحمة الله يعتني بنفسه من حيث الحفاظ على الصحة والإعتناء بالغذاء ولهذا عاش ضعيف الجسم مرهقا لكثرة ما يزاوله من أعمال القضاء وغيره من الشؤون الدينية الأخرى. ويضاف إلى هذا أنه شغل جل وأوقاته بالمطالعة أو الاستماع إلى قراءة أحد طلابه للاستزادة من المعرفة في مختلف العلوم فهو في ذلك لا يقتصر على ما يدخل في حدود اختصاصه من العلوم الشرعية فحسب بل يعتني بالتوسع في دراسة الأحاديث وفي تاريخ الإسلام وتراجم أعلامه وله إلمام بالأدب والشعر يحفظ الكثير من القصائد الحكيمة والأمثال العربية التي يستشهد بها كثيرا في أحاديثه وكتاباته وعند اجتماعه بمن يعنون بهذه الأمور وكان رحمه الله ذا مواقف حميدة في توجيه كثير من المحاكم لتطبيق الشريعة والعمل بها وله منزلة لدى كثير منهم يجلونه ويحترمونه ويتقبلون ما يبدي من نصح وقد يستعينون به في حل بعض المسائل المستعصية لدى بعض القضاة والعلماء وكان مع كل ذلك متصفا بغاية الورع والزهد والعفة و التباعد عن كل ما يؤثر في منزلته العلمية مما أوجد له محبة عظيمة في نفوس الخاصه والعامة مع ما يتميز به من عطف ورعاية للمحتاجين واهتمامه بشؤونهم وتفقد أحوالهم.

لقد كان رحمه الله علما من علماء هذا العصر دينا حريصا على خدمة الإسلام والمسلمين ولكنه مع كل ذلك كغيره ليس معصوما.

مؤلفاته:

له رحمه الله كثير من الرسائل والفتاوي جمعت في مجموعة نشرت في ثلاث مجلدات تحوي جل الفتاوي والرسائل كما له كتب أخرى في الوعظ والإرشاد منها " الحكم الجامعه لشتى العلوم النافعه" ومنها مالم ينشر حتى الآن.

وفاته:

في يوم الخميس الثامن والعشرين من شهر رمضان المبارك 1417هــ توفاه الله بعد مرض امتد به فترة من الزمن وكان في آخر أيامه في شبه غيبوبة حتى انتقلت روحه إلى بارئها وقد صلي عليه صلاة الغائب في المسجد الحرام في مكة المكرمة تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته.

استيضياح وملاحظات:

كانت مجلة " العرب" قد استوضحت من الأخ الأستاذ علي بن عبد الله آل محمود سفير دولة قطر في الرياض عن بعض ملاحظات تتعلق بسيرة والده وقد تفضل فبعث بالملاحظات التي كتبها إلى الأستاذ عبدالرحمن بن الشيخ عبد الله وهي:

1-صلة الوالد ببلدة المفيجر والتي يقطنها آل حسين الأشراف لا تعدو أن تكون صلة صداقة وأخوة خاصة أن المفيجر قريبة من الحوطة ويشترك آل حسين مع آل محمود في النسب الشريف ما استوضح عنه الجاسر حول نسب آل حسين فهو صحيح وليست لهم صله نسب قريبه بآل حامد.

2- ولادة الشيخ عبد الله بن حوطة بني تميم وليس في المفيجر وما ذكر حول مولده في المفيجر غير صحيح ولم أسمعه من أحد وما ذكر الوالد ومن يعرفه أن ولادته في الحوطة وبيت والديه فيها معروف.

3- ورد عبارة في المقال عند ذكره سفره إلى مكة أن الشيخ عبد الله مكث فيها فترة من الزمن التقى خلالها بشيخه محمد بن مانع حيث واظب على حضور مجالسه هو وزميل له يدعى محمد بن عبد الرحيم الصديقي.

وملاحظاتي:

1- أن الشيخ ابن مانع قد ورد قبلها أن الشيخ درس عنده في قطر أما دراسته عنده في مكة فهو أمر أشك فيه إلا إذا كان المقصود شيخا آخر.

2- ورد ذكر ولادة الشيخ في المفيجر في كتاب: " معجم المطبوعات " للدكتور: علي جواد الطاهر ولعله نقله من التقرير الإحصائي لعام 1401-1402هــ الصادر عن رئاسة المحاكم الشرعية الشؤون الدينية في دولة قطر.

3- رئيس تحرير مجلة " العرب " عرف الشيخ عبد الله أثناء قراءته على الشيخ ابن مانع في الحرم وقد حضر حلقة الشيخ ابن مانع مرارا والشيخ عبد الله والشيخ الصديقي هما تلميذاه والملازمان له وكان يجلس في السرحة المقابلة لباب السلام.

انتهى