سنة الرسول شقيقة القرآن

السيد خليفة عبدالله التونسي

ملخص بحث نشرته مجلة البلاغ الكويتية في عددها 524 بتاريخ الأحد 11 من صفر 1400 الموافق 30 من ديسمبر 1979 بقلم السيد خليفة عبد الله التونسي بعنوان: سنة الرسول شقيقة القرآن وقد استعرض المؤلف في مقدمة بحثه بطلان دعوى الفصل بين القرآن والسنة لأنهما وحيان شقيقان لا ينفك أحدهما عن الآخر وعلل ذلك بالنقاط التالية:

 

السنة شقيقة القرآن:

الكتاب والحكمة: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ والكتاب هو القرآن والحكمة هي السنة لتزكية النفوس وتطهيرها.

تفاوت الناس في حمل العلم وفهمه: إن رسول الله عليه الصلاة والسلام علم الصحابة السنة كما علمهم القرآن لكون السنة تفسر القرآن وتبينه قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. فالقرآن وحي مجمل والسنة وحي مفصل ولا غنى لأحدهما عن الآخر قال عليه السلام (ألا وإني أوتيت القرآن مثله معه) فهما وحيان شقيقان ولما نزل قوله تعالى: (من يعمل سوءا يجز به) فزع الصحابة وقالوا: هل كان كل من عمل منا سوء جزي به فقال رسول الله عليه السلام (ألستم تحزنون؟ أليس يصبكم الأذى والمرض فقالوا بلى. قال: فذاك)

واختلف الناس في حمل هذا الوحي والهدى ويتضح في قوله عليه السلام (مثل ما بعثني الله به من العلم والهدى كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها طائفة أجادب لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله فنفعه ما جئت به ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي جئت به) معنى طائفة العالم العامل بعلمه وطائفة الجاهل الجافي الذي لا علم ولا عمل عنده.

قال تعالى:﴿وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ١ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ٢﴾ [النجم: 1-2] وتعني الشهادة للرسول ^ بأنه راشد تابع للحق وليس بضال ولا غاو ولا يقول قولا عن هوى وغرض إنما يقول ما أمر به يبلغه إلى الناس كاملا غير منقوص وقد قال صلى الله عيه وسلم (لا قول إلا حقا) وقد حذر من يكذب عليه (ومن كذب علي متعمد فليتبوأ مقعده من النار).

ولم تعن أمة بحفظ حديثها ونصوص دينها مثل علماء المسلمين فقد حفظ الله سنة نبيه بما حفظ به كتابه بعناية العلماء والحفاظ

شهادة أن محمدا رسول الله تستلزم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمر قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ﴾ [الأحزاب: 36]

الحاجة إلى العلم بالسنة والعمل بها:

إن السنة لها منزلة خاصة من القرآن ومن الشريعة إذ أنها تبين ما سكت عنه القرآن وتعبر عنه وتفسره ومن ذلك تفصيل فرض الصلاة التي أمر الله بها وتفصل أحكامها وإباحة القصر فيها وفي حال خوف الفتنة وكذلك تفصيل انصبة الزكاة والجنس الزكوي.

وقد وردت في القرآن مطلقة غير مفصلة ولا نصاب ولا بجنس وكذلك تفصيل أحكام البيع فقد حرمت السنة أشياء من البيوع كبيع الربا والخمر ولحم الخنزير كما جاءت بإثبات خيار المجلس بين المتبايعين كما فصلت السنة حكم أكل الميتة فأباحت ميتتين ودمين كما فصلت حكم الخمر (كل ما أسكر كثيره قليله حرام) كما فصلت حكم قطع يد السارق (لا قطع من ثمر ولا كثر) أي الثمار وجمار النخل كما حرمت الذهب والحرير على الرجال وحرمت كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير والحمر الأهلية ولن توجد هذه كلها في القرآن وغير ذلك كثير.

أنه لابدّ من العمل بالسنة الواجب على المسلمين وجوب الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله وإقامة التشريع عليهما وحتى لا يرجعوا القهقرى ضلالا كما حذرهم الرسول بقوله: (تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله).

ولا شك أنها علم واسع يتعلق بجميع ما يحتاجه الناس في أمر دينهم ودنياهم وجهادهم وبيعهم وشرائهم وما يتعلق بذلك من الإجار والعارية والهبة والوقف والصلح والنكاح والطلاق كما أن السنة من عوامل ترقية اللغة التي يكتب بها الكتاب والسنة أدبها الواسع في تهذيب النفوس واصلاح المجتمع وسمو الأخلاق.

من أجل ذلك كله كان نشر السنة واجبا دينيا.

القواعد الأصولية المستفادة من السنة:

فالسنة تفسر القرآن وتفصيل ما أجمله وتأتي بما سكت عنه وهناك قواعد أصولية لا نجدها إلا في السنة النبوية يمكن إيجازها فيما يلي:

1-(إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) وهو من القواعد التي عليها مدار صحة الأعمال وفسادها وهى خمس قواعد: الضرر يزال، العادة محكمة، المشقة تجلب التيسير، الشك لا يرفع اليقين، الخامس ما ذكرنا.

2- (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إقام الصلاة و إيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج)، ذكرت مفرقة في القرآن وأجملها الرسول لتكون عقيدة للعلماء والعوام وللخاص والعام.

3- (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) إذ أن من واجب الإيمان برسول الله هو طاعته فيها أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما عنه نهى وزجر.

4- (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) وغير ذلك كثير.

ضلال القائلين بالإستغناء بالقرآن عن السنة:

تعد دعوة الاستغناء بالقرآن عن السنة دعوة إلحادية فقد ثبت بطريق العقل والنقل أنه لا غنى للناس عن السنة إذ إنها المصدر الثاني للتشريع كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبين للناس ما نزل إليهم من القرآن بمقتضى أقواله وأفعاله وتقريراته ويقول (ما تركت من شئ يقربكم من الجنة إلا أخبرتكم به ولا شئ يباعدكم عن النار إلا حذرتكم عنه).

انتهى