سيرة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود رحمه الله

كان خطيباً مفوهاً تجمع خطبه الحكمة والفقه والتفسير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

البلاغة والأدب في كتابات الشيخ ابن محمود

البلاغة والأدب في كتابات الشيخ إبن محمود 

كانت كتابات الشيخ وأعماله العلمية تتميز ببلاغة السبك وحسن البديع ويدخل في الاستشهاد بأبيات من الشعر يحسن الشيخ بحسه الأدبي اختيارها. وكان الشيخ يهتم منذ أيام طلبه العلم بالأدب والبلاغة والشعر باعتبارها ضرورية لتقويم اللسان وتحسين مستوى الخطابة والكتابة, ونظرة إلى كتاباته ومراسلاته تعطي القارئ فكرة عن تميزه رحمه الله بقلم بليغ وحس أدبي رفيع، وأسلوبه كما قيل من السهل الممتنع.

يقول رحمه الله في مقدمة كتابه (الحكم الجامعة): "وما يوجد فيه (أي  الكتاب) من أساليب البلاغة والبيان، وانسجام الألفاظ مما يعد من علم الجناس، فهو من نتيجة القريحة والسجية السمحة غير المتكلفة. وقدوتي في ذلك كتاب الله، إذ أن فيه من البلاغة والبيان ما يعجز عن وصفه كل إنسان، يقول الله تعالى ﴿وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (النساء: 63). أي يبلغ من أفهامهم ويعلق بأذهانهم. ويوجد فيه من العظام ما يظن بأنها من المكررات، وهذا لا يوجد فيه إلا من قبيل الندور، فإن كل ما يوجد فيه مما يظن أنه متفق في الرسم والعنوان؛ لكنه يفترق في العلم والبيان، ولنا الأسوة بكتاب ربنا حيث يذكر القصة مبسوطة في مكان، ومتوسطة ومختصرة في مكان ...".

وأسوق هنا نماذج لأعماله التي تبرز فيها ملكته الأدبية وبلاغته الجميلة مقسمة بحسب الموضوع:؛

1- المراسلات:

تبرز ملكة الشيخ الأدبية وقدرته البلاغية في الكثير من المراسلات التي كان يخطها أو يمليها، ومن ذلك كتابه للملك سعود بن عبدالعزيز المؤرخ في 1/3/1376هـ الموافق 5/10/1956م والذي أرسله كرد على كتاب الملك سعود إليه والذي ذكر فيه نقد المشايخ لرأيه في رمي الجمار قبل الزوال وبالليل فقال: "...فهؤلاء المشايخ الذي عُرضت عليه (يقصد الرسالة) هم على كل حال أطول مني باعاً، وأوسع اطلاعاً، أنهم الأساتذة المعلّون والقادة المتبعون، ولكن الخلاف في مسائل الفروع لايزال يجري بين الصحابة والتابعين وسائر علماء المسلمين، فيرد الصغير فيها على الكبير، ويعارض التلميذ رأي العالم النحرير، فيفترقان في الفهم ثم يتفقان في الحكم، لأن الغرض واحد والغاية متساوية، والله قد نصب لهم حكماً قسطاً يقطع عنهم النزاع، ويعيد خلافهم إلى مواقع الإجماع، وهو الكتاب والسنة، وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع.

فلا تجد عليّ أيها الملك في نفسك، وأنا لم أتخوض فيما قلت بمحض التخرص في الأحكام، ولا التنقص لمشاعر حج بيت الله الحرام، وإنما بنيت أصول ما قلت على النصوص الجلية والبراهين القطعية، قارناً كل قولٍ بدليله، مميزاً بين صحيحه وعليله، وبودي لو أعطاها الملك إصغاء واستكملها سماعاً، ليدرك بذهنه الوقَّاد وفهمه النقَّاد حقيقة معناها، وجلية مغزاها، وأنها بريئة مما رميت به من التحريش والتشويش، فإن الملك ذو رأي وروية، وشكيمة قوية، لا تقرع له العصا، ولا يقلقله الحصى، وإن أملي في نصرته لها، من أجل كونها حقاً، أقوى من أمل غيري في الاستعانة به على خذلانها بحجة أنها باطل، إذ كلانا بمحض الوزن بالعدل سيّان، ونحن من بني الإنسان، الذي هو محل الخطأ والنسيان، والخطأ كما يقع كثيراً من القائل، فإنه يحتمل من الناقد أيضاً، إذ ليس كل ناقد بصيراً، سوى الله الذي لا نقص في كلامه، وتمتنع حصول العصمة لكتاب غير كتابه...".

وفي الرسالة التي وجهها إلى علماء الرياض في تحقيق القول بجواز رمي الجمار قبل الزوال وزعها على المشايخ عندما ذهب إلى الرياض لمناظرتهم تلبية لطلب الملك سعود ومما قال فيها: 

"... لأني وإن كنت أرى في نفسي أني أصبت فيه مفاصل الإنصاف والعدل، ولم أنزع فيه إلى ما ينفاه الشرع أو يأباه العقل، لكنني أعرف أني فرد من بني الإنسان الذي هو محل للخطأ والنسيان، وأنتم من الفقه والإتقان بمكان، تعرفون النصوص ولا تخفى عليكم القصود، وهذا المسؤول عنه بين أيديكم معروض، والقول منكم بما يستحقه مفروض، فعلى كل أخ مخلص ناصح أن يجيل فيه النظر بإمعان وتفكر، وذلك بأن يعيد دراسته، ويعجم عود فراسته، ليتضح له على الجلية معناه، ويقف على حقيقة مغزاه، فإن تبين أني خلطت في الدراية، وأخطأت في الرواية، وجئت قولاً إذاً، وجرت عن الحق قصداً، وجب عليه أن يسددني من الهفوة، ويسندني من الكبوة، ويكشف لي بكتاب عن وجه ما خفي علي من الصواب، لأن الحق أحق أن يتبع، والعلم جديد بأن يستمع، والقصد واحد والغاية متساوية، وكل على حسبه من العلم بكتاب ربه وسنة نبيه، والله يعلم – وهو عند لسان كل قائل وقلبه – أني لم أتخوض فيما قلت بمحض التخرص في الأحكام، ولا التقول بلا علم في أمور الحلال والحرام، وإنما بنيت أصول ما قصدت على النصوص الجلية والبراهين القطعية، قارناً كل قول بدليله مميزاً بين صحيحه وعليله، ودعوت فيها الناس إلى ما دعاهم إليه كتاب ربهم وسنة نبيهم من السماحة واليسر، بدل ما وقعوا فيه من الحرج والعسر...".

وكتب في إحدى نصائحه لأحد حكام قطر السابقين:

"... فإن من لوازم المحبة الدينية التقدم إليكم بالنصيحة الودية، فقد أخذ الله العهد علينا بأن نناصح من ولاه الله أمرنا، لأن الدين النصيحة، لله ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامتهم. وعسى أن لا أقول شيئاً إلا وعلمك يسبقني إلى القول بصحته والاعتراف بموجبه، غير أن قولي هو من باب تنبيه الغافلين ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾(الذاريات: 55) فلا تجد في نفسك من أجله، فإنك عزيز عندي والحق أعز من كل أحد، وأعوذ بالله أن أموت وأنا غاشٌ لك، أو كاتم نصيحتي عنك: (من البسيط).

 

ما ناصَحَتْكَ خَبايا الوُّدِّ من أَحَدٍ       ما لم يَنَلْكَ بِمَكْرُوهٍ منَ العَذْلِ

مَوَدَّتِي لَكَ تَأْبى أن تُسـامِحَنِي      بأن أراك على شيءٍ من الزَّللِ

 

وكان بعض السلف يقول: "لو أن لي دعوة مستجابة، لصرفتها إلى السلطان، لأن صلاحه يترتب عليه صلاح رعيته".

أيها الأمير، إن العدل قوام الدنيا والدين، وصلاح المخلوقين، وهو الآلف المألوف، المؤمّن من كل مخوف، به تآلفت القلوب والتأمت الشعوب، والعدل مأخوذ من العدل والاستواء، وحقيقته وضع الأمور في مواضعها، وأخذ الأموال من حلها، ووضعها في محلها. فجدير بمن ملّكه الله بلاده، وحكّمه على عباده، أن يكون لنفسه مالكاً، ولطريق العدل والقصد سالكاً، وللهوى والشهوات الخارجة عن حد الاعتدال تاركاً، فإذا فعل ذلك ألزم النفوس طاعته، والقلوب محبته، وأشرق بنور عدله زمانه، وكثّر على عدوه أنصاره وأعوانه..".

وفي رسالة منه إلى أحد كبار العائلة الحاكمة كرد على رسالته إليه:"...وبما أنني أحمل لك في القلب ودّاً مكيناً، وقد وقعت نصيحتي منك بالموقع الذي لم أُرده، فإنني أعتذر إليك مما وقع في نفسك سواء كان صواباً أو خطأً، ولك العُتبى حتى ترضى، وما أريد إلا استدامة محبتي في الله إن رأيتني أهلاً لها، بدون أن يشوبها شيء من أمر الدنيا. أما ما أشرت إليه من دفاعك عن عرضي حين حاول شخص أن يتناول مني، فهذا شيء لا نستغربه منكم، وقد ذقت شيئاً من جزيل لطفكم في سبيل نصرتي والدفاع عن عرضي في غيبتي، شكر الله إحسانكم وأدام فضلكم وامتنانكم، وإنني لا ألوم أي شخص تكلم فيّ بأمر أنا فاعله فإن الناس شهداء الله في أرضه. أما من تكلم فيّ بأمر يريد أن تنقّصي به وأنا بريء منه فالله حسيبه، وسيتصدّى له من يحتسب نصرتي في الله كما فعلت أنت، مع مناضلة أعمالي دون عرضي...".

وأوصي أحد محبيه الذي سافر للعلاج في بيروت فكتب له: "...وإني أوصيك بتقوى الله تعالى، والاعتصام بالكتاب والسنة، والتجافي عن مواقع الفتنة، واعلم يا أخي أن رؤية المنكرات تعمل عملها وتقوم مقام ارتكابها في سلب القلوب نور العلم والعرفان، والتمييز والفرقان، لأن المنكرات متى كثر على القلب ورودها وتكرر في العين شهودها، ذهبت عظمتها من القلب شيئاً بعد شيء، إلى أن يراها الإنسان فلا يرى بقلبه أنها منكرات، ولا يمر بفكره أنها معاصٍ ... والناس يعرفون بالحواس أنه متى كثر الإمساس قلّ الإحساس. وهو وإن كان الشر المخوف فاشٍ في الناس، لكن حنانيك إن بعض الشر أهون من بعض، وحسبك من شر سماعه .. وفيك والحمد لله من الدين ما يزعك إلى الهدى ويردعك عن الردى، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولكن خلاصة الحب حدا بي إلى بذل محض النصح، لعلمك أن الأخلاق تتقاضى والطباع تتناقل، والمرء على دين جليسه، وإني استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ...".

ذكر في ردّه على رسالة أحد الوجهاء ممن كانت له علاقة قوية معه،  بعد أن حكم ضده في قضية لصالح امرأة ضعيفة وبناتها الأيتام "... وإني أشعرك بأمر يعود عليك بالراحة، وهو أن مدحك لي لا يحملني على الحيف لك، كما أن ذمّك لايستدعيني إلى ظلمك، ولو كان الأمر بالتخيير، وأن الحكم لا يعقبه حساب خبير ولا عقاب قدير، لاخترت أن يكون عندك منهم، ولن يرهقني طغياناً عليك ما نسبتني إليه من اللوم والذم، وما نسبتني إليه من الجور والظلم في خصوص هذا الحكم، لأنه ما من أحد سلم من أذى الناس حتى كتاب الله الموصوف بالصدق والعدل لم يسلم من الطعن..." 

2-  الخطب:

تظهر بلاغة الشيخ في خطبه العديدة والتي غطت معظم ما يشغل الناس من شؤون الدين والحياة، ونظرة إلى مقدمة خطبه تبرز لنا مقدرته في تركيب الجمل على نسق مسجوع يجذب آذان السامعين. مثال ذلك هذه المقدمة:

"الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من أضاع أمره وعصاه، الذي وفق أهل طاعته للعلم بما يرضاه، وحقق على أهل معصيته ما قدره عليهم وقضاه، أحمده سبحانه على حلو نعمه ومرّ بلواه، وأشهد أن لا إله إلا الله لا ربّ سواه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي كمل ومرّ بلواه، وأشهد أن لا إله إلا الله لا ربّ لنا سواه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي كمل به عقد النبوّة فطوبى لمن والاه.." وفي خطبة غيرها يقول:

"الحمد لله الذي على فوق جميع مخلوقاته وارتفع، واحتجب في هذه الدار عن لواحظ خلقه وامتنع، وفلق صم الأحجار عن أخضر الشجر فطلع، وأعطى ومنع ووصل وقطع، وحكم بالفناء على الخلائق أجمع، أحمده حمد من أناب إليه ورجع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له يجيب المضطر ويسمع. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله إلى الإنس والجن أجمع..".

وفي خطبة أخرى يبدأ بهذه المقدمة:

"الحمد لله الكريم المنان، العزيز ذو السلطان، خلق الإنسان من تراب ثم قال له كن فكان، يعطي ويمنع ويخفض ويرفع وكل يوم هو في شأن، أحمده سبحانه على نعمة الإيمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، شهادة من قالها باللسان وإنقاد لها بالجنان والأركان. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد ولد عدنان، بعثه الله رحمة لأهل الإيمان، وحجة على أهل الظلم والقطيعة والعدوان، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ذوي الفضل والعرفان، وأهل الصلة والإحسان، وسلم تسليماً كثيراً...".

وفي مقدمة خطبة أخرى يقول رحمه الله:

"الحمد لله الغني الحميد، المبدي المعيد، ذي العرش المجيد، والفعال لما يريد، أحمده سبحانه حمد عبد مخلص في التوحيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، شهادة أرجو بها النجاة من هول الوعيد، والخطب الشديد، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى كل قول سديد، وفعل حميد، اللهم صلِ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه الذين تمسكو بسنته واتبعوا شرعه المجيد، وسلم تسليماً كثيراً..".

وفي خطبة أخرى يبدأ بهذه المقدمة: "الحمد لله الذي وفق عباده المؤمنين لأداء الأعمال الصالحات، وشرح صدور أوليائه المتقين للإيمان بما جاء به رسوله من الحكم والآيات، أحمده سبحانه على ما له من الأسماء والصفات، وأشكره على ما أسداه من جزيل الإنعام والبركات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له شهادة أرجو بها رفيع الدرجات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب الآيات والمعجزات، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ذوي الهمم العاليات، والأعمال الصالحات، وسلم تسليماً كثيراً..".

وفي خطبة الأضحى وبعد تسع تكبيرات يقول: "الله أكبر كلما أحرموا من الميقات، الله أكبر كلما لبّى الملبون وزيد في الحسنات، الله أكبر كلما دخلوا فجاج مكة وتلك الرحبات، الله أكبر كلما طافوا بالبيت العتيق وضجت الأصوات بالدعوات، الله أكبر كلما سعوا بين الصفا والمروة وتلك المشاعر المفضلات، الله أكبر كلما وقفوا خاشعين بعرفات، الله أكبر كلما نظر الجبار إليهم من فوق سبع سماوات، الله أكبر كلما باتوا بمزدلفة وأفاضوا إلى منى ورموا تلك الجمرات، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد...".

3- كتبه ومقالاته:

كما تظهر قدرة الشيخ البلاغية فيما سطره من رسائل ومؤلفات عديدة. يقول في مقدمة رسالة تحقيق المقال:

"إن المخلص الناصح والبصير الناقد يجب عليه أن يتثبت في الرد والنقد، وأن يقر ضرورة الحال والمحل، فإن لكل مقام مقالاً، والعلة تدور مع المعلولات وجوداً وعدماً، وتختلف الفتوى باختلاف الزمان والمكان، فيما لا يتعلق بأصول العقيدة والأركان، وقد جاءت هذه الشريعة السمحة لجلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، ومن قواعدها المعتبرة أنه إذا ضاق الأمر اتسع، والمشقة تجلب التيسير، ويجوز ارتكاب أدنى الضررين لدفع أعلاهما، والحرج منفي عن الدين جملةً وتفصيلاً ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج: 78)، ﴿يرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾(البقرة: 185)، لأن الدين عدل الله في أرضه، ورحمته في عباده، شرع لإسعاد البشرية في أمورهم الروحية والجسدية والاجتماعية، ولو فكر العلماء بإمعان ونظر لوجدوا فيه الفرج والمخرج من كل ما وقعوا فيه من الشدة والحرج".

وقال في رسالة (السنة شقيقة القرآن): "... فالسنة تُفسِّرُ القرآن وتفصِّل ما أجمله وتأتي بما سكت عنه، يقول الله تعالى: ﴿أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(النحل: 44). 

فمن حاول أن يتصدى لتفسير القرآن أو تأليف الحديث: "لاترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل"(1) لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، أما الحيلة التي يتوصل بها صاحبها إلى أمر حسن من رضا الله وطاعته ونشر ما ينفع الناس من القول الحسن، والمبالغة بتلقينه وتفهيمه لاسيما إذا كان من الأمر الخفي الذي ينكر العامة جواز فعله ولم يتمرنوا على مثله، فإنها من الحيلة المباحة. ولم يزل العرب حتى الشعراء يفتخرون بالحيلة التي توصلهم إلى المكارم وتخلصهم من المكاره، ومنه قول بعضهم: (من الطويل)

 

إذا المرء لم يحتل وقد جد جده أضاع وقاسى أمره وهو مدبـر 

وقال الأقرع القشيري: (من الوافر)

تخادعنا وتوعدنــا رويــــــداً         كدأب الذئب يأدو للغزال 

فلا تفعل فإن أخاك جلـــــــــد      على العزّاء فيها ذو احتيال 

وقال الأعشى: (من الخفيف)

فرع نبع يهتز في غصن المجـــــد غزير الندى عظيم المحال

 

قال في القاموس: الاحتيال والتحول والتحيل الحذق وجودة النظر والقدرة على التصرف، قال: وحاول محاولة أي رام. وقال في مختار الصحاح: حاول: أي أراد." 

وفي رسالة (كلمة الحق في الاحتفال لمولد سيد الخلق) يقول: "... وهكذا سائر ما يقع بين المتقدمين والمتأخرين من الحوادث المفاجئة التي تعزب فيها الأفهام؛ لأن الحفظ يحضر ويغيب ومن حفظ حجةٌ على من لم يحفظ والناس يتفاوتون في العلوم والأفهام وفي الغوص إلى استنباط المعاني والأحكام أعظم من تفاوتهم في العقول والأجسام، فتأخذ العيون والآذان من الكلام على قدر العقول والأذهان فيتحدث كل إنسان بما فهمه على حسب ما وصل إليه علمه وعادم العلم لايعطيه وكل إناء ينضح بما فيه.

فمن واجب الكاتب أن يبدي غوامض البحث بالتحقيق ويكشف مشاكله ودلائله بصناعة التطبيق مع العلم أن المبني على دعائم الحق والتحقيق لن يزلزله مجرد النفخ بالريق؛ لأن الحق مضمون له البقاء وأما الزبد فيذهب جفاء فيكون مع الحق بلا خلق ومع الخلق بلا هوى. (من الوافر).

غموض الحق حين تذب عنه يقلل ناصر الخصم المحـقِّ

تضل عن الدقيق فهوم قــــوم فتقضي للمجل على المدق 

4- اختياراته الشعرية:

يكثر الشيخ من الاستشهاد بأشعار العرب وأمثالهم، وقد جمعت الكثير من استشهاداته وما أعجبه من أشعار وأقوال وقطع أدبية بحيث بلغت الحصيلة كتاباً كبيراً هو هذا الذي بين أيديكم وبما لا يحتاج إلى زيادة توضيح.

أخيراً أرجو أن أكون قد أديت جزءاً من واجبي كتلميذ للشيخ وابن له لإبراز ما يستحقه من تقدير وإظهار جوانب يجهلها كثير من الناس عن علمه الغزير وبلاغته الرفيعة واهتمامه باللغة والأدب. رحمه الله وغفر له وأجزل له المثوبة، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل 

عبدالرحمن بن عبدالله بن زيد آل محمود

الدوحة في غرة جمادى الثاني 1431هـ