سيرة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود رحمه الله

كان خطيباً مفوهاً تجمع خطبه الحكمة والفقه والتفسير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

تميُّزه الفقهي وخصائصه العلمية

لقد تميز منهج الشـيخ الفقهي بخصائص ومميزات قد لا نجدها عند علماء آخرين، وهذه الخصائص والمميزات هي في حقيقة الأمر نابعة من ذلك الفهم العميق والنظرة الثاقبة غير المتزمتة لروح الشـريعة الإسـلامية الغراء، ومقاصد ديننا الإسلامي الحنيف التي أكرمه الله تعالى بها.
يقول رحمـه الله: ’وإنني عندما أطرق موضوعاً من مواضيع البحوث العلمية التي يحسن التذكير بها، وبمحاسنها ومساوئها، وحكمها وأحكامها، فإنني آخذ للبحث بغيتي، وغاية رغبتي، مما وصل إليه فهمي وعلمي، حتى ولو طال ذيل البحـث، ولن أقتصـر فيه على بُلْغَة العجـلان، ورغبة العاجز الكسلان؛ إذ إن الناس يتفاوتون في قوة الإيراد والتعبير، وفي حسن المنطق وجمال التحبير، والعلم شجون يستدعي بعضه بعضاً، ويأخذ بعضه برقاب بعض، وعَدُّوا من عيوب الكلام وقوع النقص من القادر على التمام، ووقوع الانفصام والانفصال في مواقع الاتصال..‘.
ويقول الشيخ صالح اللحيدان: ’إن هذا النحرير أحد رموز العلم الشرعي بما يتناوله من مسائل شرعية بدليل وتعليل وتمكين، وقد ظهر على مصنفاته سعة العلم، وقوة البيان، وسرعة البديهة، وقد ظهرت أمارات قرع الحجة، بما يتناوله من نقدٍ لكثيرٍ من المسائل المطروحة التي رأى فيها رأيه، فكم ناقش وردَّ، ونقد بروح المدرك المطَّلع، ولا تجده إلا ذلك الرجل الرجَّاع للحق إذا بان له الخطأ... ولعله أحد أبرز البقية الباقية من العلماء السلفيين أهل التوحيد الصحيـح والدعوة إليـه، كيف لا وهو ابن فطرة خيِّرة، وابن أرض معشـبة مخضرة؟‘.
يقول الشيخ يوسف القرضاوي عن الشيخ ابن محمود: ’كان عالماً حجةً، من الناس الذين أتقنوا العلم، وأصدر فتاواه ورسائله في كثير من قضايا العلم والفقه، فهذه الرسائل التي أصدرها تدل على فقه عميق، وعلى بصيرة بدين الله، وعلى جرأة في الحق، لايخاف في الله لومة لائم‘.
ويضيف عن الشيخ إنه: ’فقيه مستقل الرأي، صاحب اجتهاد وصاحب ترجيحات، وليس مجرد عالم يحفظ ما في الكتب فقط، وقد قرأت رسائله ووجدت رأيه رأياً قوياً، وأيَّدته بكل قوة، فقد اعتمد على أدلة شرعية واعتبارات أصولية لا يمكن أن يرفضها إلا مكابر‘.
ويقول الأستاذ الدكتورعلي شحاته():
’والشيخ ابن محمود محدِّث لبق لا يجارى، وخطيب مصقع لا يبارى، حاضر البديهة، صريح الرأي، قوي الحجة، قاطع الدليل، ساطع البرهان، عالي الهمة، عزيزالنفس، وهو بحقٍّ وحيد عصره، وفريد زمانه، يقول كلمته بوضوح، ويناقش الرأي بالمنطق، ويرد الحجة في هدوء، ويدفع بالتي هي أحسن.
فإذا لم تُجْدِ كل هذه الأساليب اشتدَّ واحتدَّ، ورفع صوته، فكان أشد رنيناً وأحدَّ طنيناً، فيقذف بكلمة الحق لا يهادن فيها ولا يلاين، لا يبالي أين تقع، فلا يرهب قوةً ولا يخشى بطشاً، فيكون لآرائه دوي القنابل، وفرقعة الديناميت، ويواجه بعدها الأخطار في شمم وإباء كالطود الشامخ والجبل الراسخ.
وهو حركة دائبة، يعظ، ويحاضر، ويناظر، يواتيه الكلام ويطاوعه، إذا خطب وتدفق منه الكلام، يأخذ بأزمة القلوب والعقول، كأنك أمام سحبان ابن وائل أو قس بن ساعدة، يوجز فلا يخلُّ، ويطنب فلا يملُّ، إذا لان كان كالماء أو أسلس، وإذا اشتد كان كالصخر الأملس.
وقال كذلك: والشيخ ابن محمود واسع الاطلاع، يحفظ القرآن عن ظهر قلب، ويحفظ آلاف الأحاديث، فلا تستطيع أن تذكر أمامه كتاباً من الكتب إلا وقد قرأه، ولا بيتاً من الشعر إلا وقد سبقك إليه، ولا خبراً من تاريخ العرب والإسـلام إلا وقد وعاه، ولا حديثاً إلا وقد رواه، ولا شيئاً من قواعد اللغة وطرائف الأدب إلا وقد ألمَّ بها واستوعبها.
ولذا فإني أقول بصدقٍ، وأشهد بحقٍّ أن أستاذنا الشيخ ابن محمود أحفظ من رأت عيني من العلماء، وأعرفهم بالفقه، فهو بحرٌ زاخرٌ، وعلمٌ وافرٌ، وهو آيةٌ من آيات ربه الكبرى في ذكاء الفهم وقوة الذاكرة.
وتعتبر كتبه ومؤلفاته العديدة موسوعة إسلامية، وثروة عظيمة، وفتاواه ذخيرة فقهية.
له فتاوى جريئة لم يسبقه أحد من العلماء السابقين أو اللاحقين إليها، ومن هذه الفتاوى: جواز رمي الجمار قبل الزوال، فتصدَّى له العلماء فأفحمهم، وانتصر عليهم؛ لأنه يعلم كيف يجيب إذا تكلم، وكيف يستشهد إذا تحدث، وكيف ينتصر إذا ناظر، وكيف يقنع إذا أفتى.
والشيخ ابن محمود شجاع قوي، ناصح للأمة، ناصح لأولي الأمر من الحكام والأمراء، آمر بالمعروف، وناه عن المنكر، ناصـر للسنة، محارب للبدعـة، له هيبة إلهية، ورهبة ربانيـة، لا يعطي الدنيـة، ولا يقبل المهانة، ولا يفرِّط في الكرامة‘.