سيرة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود رحمه الله

كان خطيباً مفوهاً تجمع خطبه الحكمة والفقه والتفسير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الشيخ في مواجهة مناوئيه

أثارت رسائل الشيخ واجتهاداته الكثير من النقاش والنقد، حيث جاءت على غير ما ألفه الوسط العلمي في الجزيرة العربية، فصدرت عدة ردود عليها، ولكنه ردَّ عليها بتمكُّنٍ وثقةٍ تامةٍ، وقراءة ردوده رحمه الله تُبرز قدرته المتميزة، وإحاطته بما يجتهد فيه.
ففي ردِّه على من اعترض على رسـالة الأضـحية يقول: ’...وكـون الأضحية عن الميت ليس لها أصلٌ عن رسول الله ﷺ ولا عن أحدٍ من أصحابه، ولم تُحفظ عن أحدٍ من التابعين، وأن مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة ومالك والشافعي القولُ بعدم مشروعيتها، وقد ذكرتُ مذاهبهم معزوةً إلى أصحابهم وكتبهم في الرسالة، وذكرت بأنها لم تكن معروفةً عن قدماء فقهاء الحنابلة، فلـم تُـذكـر في كتـب المتقدميـن، لا في الخرقـي، ولا كتـب القاضـي، ولا ’المغنـي‘، ولا ’الكافـي‘، ولا ’الشـرح الكبيـر‘، ولا ’المحـرر‘، ولا ’المقنع‘، ولا ’المنتقى في الأحكام‘، ولا ’المذهب الأحمد‘، ولا في ’الإنصاف‘، ولا في ’الهداية‘ للخطابي، ولا ’النظم‘، ولا في ’زاد المعاد‘، ولا في ’إعلام الموقعين‘، ولا في شئٍ من التفاسير، كما أن استحباب الأضحية عن الميت لا يوجد في شئٍ من كتب المذاهب الثلاثة المعتمدة، وإنما الذي أدخلها على الحنابلة هو صاحـب ’المنتهى‘ حيث قال: (وأضحية عن ميت أفضل منها عن حي)، وأخذها عنه صاحب ’الإقناع‘..‘.
وهذه تُظهر قدرته العلمية الموسوعية، بحيث يحيط بكل هذه المراجع، ويقول واثقاً أنها لا تتضمن جواز الأضحية عن الميت، مع العلم أنه لا يعتمد إلا على ذاكرته.
ثم يؤكد على منهجه الذي يسير عليه في اجتهاده فيقول: ’ولا ينبغي أن نكون من سجناء الألفاظ، بحيث متى حفظ أحدنا قولاً من أقوال فقهائنا القدامى ليـس له نصيب من الدليل والصحة، جعلناه حقاً لا محيص عنه ولا محيد، فنكون من سجناء الألفاظ، الذين عناهم العلامة ابن القيم بقوله: [من الكامل]
والنّاسُ أكثرُهُمْ بِسِجْنِ اللفظِ مَحْـ

ـبُوسونَ خَوْفَ مَعَرَّةِ السَجَّانِ

والكُلُّ إلاّ الفَرْدُ يَقْبَلُ مَذْهَباً

في قالَبٍ ويَرُدُّهُ في ثاني

وكان رحمه الله ينتقد بعض المشايخ في عدم تحرِّيهم للحكم الصائب، فيقول: ’وبعض إخواننا يعجز عن استعمال فهمه في إدراك ما عسى أن ينفعه، وإنما يصغي بأذنه إلى ما يقول الناس بدون تروٍّ ولا تفكُّرٍ، فإذا قالوا في الشيء خطأً قال خطأً، وإذا قالوا صواباً قال صواباً...‘.
ويقول: ’ولكن الحق مهما حاول الناس منعه، وتحاملوا على قائله، فإن عادة الله في نصره أنه يشق طريقه بنفسه لنفسه، ثم يعود الناس إلى العمل به، والحكم بموجبه، مهما طال أو قصر زمانه‘
وقد تألَّم الشـيخ من موقف هؤلاء الأقـران، يقول في مقدمة ’الحكم الجامعة‘: ’وقد قال لي أحد هؤلاء الأقران الكرام عندما زرته للسلام، وكنت أحمل معي شـيئاً من الرسائل العلمية، فبادرني بقوله: إنني لم أقرأ شيئاً من رسائلك أبداً.
وسبق أن قال لي مثل هذه الكلمة من مدة تزيد على ثلاث سنين، وقد أعادها الآن، فقلت له: عسى أن لا يكون فيها إلحادٌ وزندقةٌ؟ فقال: لا، إلا أنني مشغول عنها. ثم قال: إن فلاناً يشتغل بكتابة ردٍّ عليك.
فقلت له: أهلاً بمن يردُّ الباطل في وجه قائله، وإنني مسـتعد لقبـول الحق منه، وردِّ الباطل عليه، ثم تفرقنا من غير رضىً مني‘.
كما يقول رحمـه الله: ’غير أنني أعرف أهـل زماني، وخاصة إخواني وأقراني، وأنهم على اتباع زلّاتي، وإحصاء سيّئاتي، وستر حسناتي أحرص منهم على الانتفاع بعظاتي، لكنني أسلِّي نفسي بالتأسي بالعلماء الفضلاء قبلي، الذين دب إليهم داء الحسـد من أقرانهم؛ لكون الرجل الفاضل مهما هذَّب نفسـه، وحاول كفَّ ألسنة الناس عن عذله ولومه، فإنه لن يسعه ذلك؛ لأن كل ذي نعمة محسود، كما قيل: [من الرمل]
ليسَ يَخْلُو المَرْءُ مِنْ ضـِدٍّ ولو

حاوَلَ العُزْلَةَ في أَعْلى الجَبَل..‘

ويضـيف أيضاً ’..ووقع بنا ما قيل إن أزهـد الناس في عالمٍ هُم أهلُه وجيرانه، ومن يعيـش بين ظهرانيهم، كما حكى الله سبحانه عن فرعون لما جاءه نبي الله موسى برسالةٍ من ربـِّه: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: 18] فكانت تربيته فيهم، وبداءة نشأته عندهم هو من أسباب عدم قبولهم لدعوته، والاحتقار منهم للحق الذي جاء به، ولن ننسى عداوة قريش لرسول الله ﷺ وتكبُّرهم عن قبول دعوته من أجل نشأته بينهم..‘.
ويقول الشريف شاكر بن هزاع قائمقام مكة السابق: ’كنا في زمن الملك فيصل لا نسمع من المشايخ إلا قال ابن محمود، وردَّ ابن محمود، ليس لهم حديث إلا عن رسائله وردوده‘.
وكتب الشيخ عبدالله بن خميس الأديب والمؤرخ المعروف في رسالةٍ منه للشيخ مؤيداً له:
’...والواقع أن استنتاجاتكم واجتهاداتكم الإسلامية ومآخذكم الموفقة، لما يتفق وروح الإسلام ومقاصده المرنة السمحة؛ إذ هي تهدف إلى تحكيم الكتاب والسـنة، والرجوع إلى معينهما الصـافي، دون الالتفات إلى التقليد والمحاكاة وتحكُّـم الرجـال، الأمر الذي يجعلنا نطمـع في أن يُكثر الله من أمثالكم؛ أهلِ العقول النيِّرة والأفكار الرحبـة، الذين تنشـرح بهم الصدور، وتطمئن إليهم القلوب، ويجتذبون الناس بما أعطاهم الله من الحكمة والموعظة الحسنة، والنطق الهادف، والبحث عن الحق أينما كان وحيثما كان.
ولا أكتم شيخي الفاضل أنني من المعجبين باجتهاداته الشرعية، وبصراحته في الحق، ولا أزال ولن أزال أكرر إعجابي، وأدعو من صميم قلبي أن يكون قدوةً لرجالٍ من هذا الطراز؛ لاتأخذهم في الله لومة لائم، ولا يركنون إلى التقليد الجامد الأعمى، بل يجاهرون بالحق، ويجأرون به.
وأنا واثق ـ وإن حفَّ اجتهاداتكم الإسلامية ما حفَّ بها من تنفجات ومخالفات ـ إلا أن النية الحسنة، وسلامة الطوية، وعمق المأخذ، وسلامة التفكير، وتلمُّس مقاصد الإسلام الكريمة وأهدافه السمحة، كل ذلك سوف يكتب لهذه الاجتهـادات الخلود والبقاء، رغم ما يُثار حولها من غبار، طال الزمن أو قصر: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105].
هذا وأرجو من الله أن يصاحبكم التوفيق في قولكم وعملكم، وأن يبقى قلمكم الصريح وفكركم الناضج أسوةً وقدوةً..‘.