سيرة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود رحمه الله

كان خطيباً مفوهاً تجمع خطبه الحكمة والفقه والتفسير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

منهج الشيخ العلمي

كان الشـيخ رحمه الله صـاحب مدرسـة فقهية مستقلة، أشبه ما تكون بمدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم، فلم يكن يقبل التقيُّد بآراء علماء المذهـب دون بحـث ومناقشـة، وإذا رأى أن رأي هـؤلاء لا يحقـق المصلحة، فقد كان يبحث عن الدليل الذي يستند إليه، ويحقق المسألة تحقيقاً وافياً ودقيقاً، وقد يخرج في النهاية برأي مخالف مستنداً إلى الدليل من الكتاب والسنة، وإن أثار عليه ذلك اعتراض المعترضين.
يقول رحمه الله في مقدمة مباحث التحقيق: ’فإن من واجـب العالـم المحتسب القيام ببيان ما وصل إليه علمه من معرفة الحق بدليله، مشروحاً بتوضيحه والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه؛ لكون العلم أمانة، والكتمان خيانة، ومن المعلوم أن العلوم تزداد وضوحاً، والشخص يزداد نضوجاً بتوارد أفكار الباحثين، وتعاقب تذاكر الفاحصين؛ لأن العلم ذو شجون، يستدعي بعضه بعضاً، وملاقاة التجارب من الرجال تلقيحٌ لألبابها، وعلى قدر رغبة الإنسـان في العلم، وطموح نظره في التوسـع فيه بطريق البحث والتفتيـش عن الحق في مظانِّه تقوى حجته، وتتوثق صلته بالعلم والدين؛ لكون العلم الصحيح، والدين الخالص الصريح شقيقين يتفقان ولا يفترقان، ورأسهما خشية الله وتقواه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّـهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّـهُ ۗ ﴾[البقرة: 282]‘.
ويقول في رسالته ’الجهاد المشروع في الإسلام‘: ’إن الناس يستفيدون من المتحررة آراؤهم، والمستقلة أفكارهم في حدود الحق؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وأشـباههما، أكثر مما يستفيدون من المقلدة لشيوخهم وعلماء مذاهبهم؛ إذ المستقل بفكره هو من يستفيد من بحث غيره بصيرةً وفكرةً وزيادة معرفة، ولا يقلدهم في كل قول يقولونه، وإنما يعمل بما ظهر له من الحق، فعدم وجود المستقلين ضارٌّ بالإسلام والمسلمين؛ لأنهم حملة الحجة والبرهان، والمقلد لا حجة له، وإنما غاية علمه وعمله أن ينقل حجة غيره، فإذا طرأت شبهة على الدين كهذه لم يجد جواباً لها منقولاً عمَّن يقلدهم من الفقهاء، فيبقى حائراً محجوجاً مبهوتا، أو يستدل بما لم يحط بعلمه. [من الطويل]
ولم يتناوَلْ دُرَّةَ الحَقِّ غائِصٌ
منَ الناسِ إلا بالرَّوِيَّةِ وَالفِكْرِ 

إن طريق الانتفاع بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من المجتهدين هو أن يفرغ الإنسان قلبه مما يعتقده قديماً مما قد يظن في نفسه أنه حق، ثم يقدِّر الاحتمال لعدم صحة ما يعتقده، فينظر من جديد في الأدلة التي يوردها المجتهد، بدون أن يتلقاها بالنفرة والكراهية الشديدة لها؛ فإن الإنسان إذا اشـتدت كراهيته للشـيء لم يكد يسـمعه ولا يبصـره، فيفوت عليه مقصوده وثمرته‘.
ويقول رحمه الله في رسالته: ’مباحث التحقيق مع الصاحب الصديق‘ موضحاً مايتعرض له العلماء والكتَّاب من مناوئيهم:
’...إنه متى تصـدَّى عالمٌ أو كاتبٌ أو شـاعرٌ لتأليف أي رسالة أو مقالة أو قصيدة، فبالغ في تنقيحها بالتدقيق، وبنى قواعدها على دعائم الحق والتحقيق بالدلائل القطعية والبراهين الجلية من نصوص الكتاب والسنة وعمل الصحابة وسلف الأمة، فحاول جاحدٌ أو جاهلٌ أن يغير محاسنها، ويقلب حقائقها، وينشـر بين الناس بطلانها وعدم الثقة بها، فيلبسـها ثوباً من الزور والبهتان، والتدليس والكتمان، ليعمي عنها العيان، ويوقع عدم الثقة بها عند العوام وضَعَفَة الأفهام.. أفيُلام صاحبها إذا كشـف عنها ظلم الاتهام، وأزال عنها ما غشيها من ظلام الأوهام بطريق الحجة والبيان؛ إذ لا بد للمصدور من أن ينفث، والحجة تُقرع بالحجة، ومن حكم عليه بحق فالحق فلجه: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ۗ ﴾[الأنفال: 42]. مع العلم أن المبني على دعائم الحق والتحقيق لن يزلزله مجرد النفخ بالريق؛ لأن الحق مضمون له البقاء، وأما الزبد فيذهب جفاءً...‘.
وعندما يتصدى رحمه الله لبحثٍ فإنه يجمع ما له من الحجج وما عليه، ويمحِّصها، ويرجِّح ما يراه حقاً، ويقول: ’...وجمعتُ من النصوص الجلية والبراهين القطعية ما يزيح الشك عن الكتاب، ولن أهمل أمراً ما عسى أن يكون حجةً عليَّ في هذا الباب، بل كتبتُ كلَّ ما وجدت من حجج المانع والمقتضي والموجب والسـالب، ورجحت ما يقتضـيه الترجيح بدليل السنة والكتاب، وبينت من الدلائل في مقدمته ما يكون مؤذناً بصحته، ولم أُلقه ساذجاً من دليل الحكم وعلته؛ لأنني أخذت ـ فيما قلت بالأدلة الشرعية ـ مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها، وكونه لا حول ولا قوة إلا بها، غير أن صواب القول وصحته غير كافلة لصيانته عن الرد عليه، أو الطعن فيه والحطِّ من قدره، حتى ولا كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإنه لم يسلم بكماله من الطعن في أحكامه، والتكذيب بكلامه: (وكذب به قومك قل لست عليكم بوكيل) فكيف بكلام من هو مثلي، وأنا المقرُّ على نفسي بالخطأ والتقصير، وأني لدى الحق أسير..‘.
ويضيف رحمه الله: ’غير أن الناس بطريق الاختبار يتفاوتون في العلوم والأفهام، وفي الغوص إلى استنباط المعاني والأحكام، أعظم من تفاوتهم في العقول والأجسام، فتأخذ العيون والآذان من الكلام على قدر العقول والأذهان، فيتحدث كلُّ إنسان بما فهمه، حسب ما وصل إليه علمه، وعادمُ العلم لا يعطيه، وكلُّ إناءٍ ينضح بما فيه، فمن واجب الكاتب أن يبدي غوامض البحث ومشاكله، ويبين صحيحه وضعيفه مدعماً بدليله وتعليله؛ حتى يكون جلياً للعيان، وليس من شأنه أن يُفهم من لا يريد أن يفهم كما قيل: [من البسيط]
عَلَيْكَ بالبَحْثِ أن تُبْدِي غَوامِضَهُ

وما عَلَيْكَ إذا لم تَفْهَمِ البَقَرُ..‘

وكان رحمه الله صاحب استقلالية في البحث، ولا يتقيد إلا بالدلائل الواضحة من الكتاب والسنة، ويبين منهجه في ذلك بقوله: ’...ونحن لا نعتذر من قول الحق على شيخ الإسلام أو على غيره؛ إذ الحق فوق كلِّ أحد، وشيخ الإسـلام هو حبيبنا، وليس بربـِّنا ولا نبيِّنا، وقد قال ابن عباس: ’يوشك أن تنْزل عليكم حجارةٌ من السماء، أقول قال رسول الله، وتقولون قال أبو بكر وعمر‘، ومن المعلوم أن أبا بكر وعمر أفضل من كل أحد بعد رسول الله، وقد قال الإمام أحمد: ’عجبت لقومٍ عرفوا إسـناد الحديث وصـحته، فيتركونه ويذهبون إلى رأي سـفيان وفلان وفلان، والله يقـول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].
ثم إن شيخ الإسلام رحمه الله قد خالف الأئمة الأربعة فيما يزيد على سبع عشرة مسألةً مشهورةً لدى أهل العلم والمعرفة، ولا يُعدُّ انفراده بها شذوذاً؛ لأن من كان على الحق فهو الأمة الذي يجب أن يقتدى به...‘.