سيرة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود رحمه الله

كان خطيباً مفوهاً تجمع خطبه الحكمة والفقه والتفسير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

العدل مع الجميع

كان الشـيخ يتحـرى العدل في قضائه بدون النظر لديانةٍ أو مذهبٍ أو عرقٍ، فقد كسب احترام الجميع لنَزاهته وعدالته.
يقول جون قصـاب ـ وهو أرمنيٌّ سـوريٌّ يعمل في قطر ـ: كنت شاباً صغيراً أعمل بالنجارة، واتصل بي أحد الأرمن، وأبلغني أن أرمنياً إيرانياً قُبض عليه في قطر وأُدخل السجن، فذهبت لمركز شرطة الدوحة أسأل، فأبلغوني أن الرجل دخل البلاد بتأشـيرة مزوَّرة، فتحدثـت معه، فقال لي إنه حصل على التأشـيرة من إحدى شـركات السياحة، ولا يعلم أنها مزورة، فحاولت مقابلة مدير المركز فمُنعت من ذلك، وقيل لي إن الموضـوع يحتاج لإكمال التحقيق ثم يحال للمحاكمة.
وكانت زوجة الرجـل وابنه الصغير في الفندق، وسألت عن حلٍّ لهذه المشكلة، فقال لي أحد القطريين: اذهب إلى الشيخ ابن محمود، فقد يجد لك حلاً.
فذهبت إلى المحكمة الشرعية وأنا وجِلٌ، ولا أعرف كيف سأتمكن من مقابلة الشيخ، فلما دخلت دلُّوني على قاعةٍ كبيرةٍ، ورأيت فيها الشيخ جالساً ومعـه بعض الكَتَبَة، وهو ينظـر في القضـايا، فانتظرت حتى جـاء دوري، وأجلسوني على كرسيٍّ أمام الشيخ مباشرةً، فشرحت للشيخ مشكلة الرجل، وأن الرجل جاء إلى قطر في طريقه إلى بلدٍ آخر، ولم يكن يعلم بتزوير تأشيرته، وقلت له: أنا مسيحي، ولجأت إليك لأني لم أجد حلاً آخر، فقال لي: إذا كان كلامك صحيحاً فأنا سأنظر في الموضوع.
وطلب ـ وأنا جالسٌ ـ مدير مركز الشرطة، واستفسر منه عن القضية، وقال له في نهايتها: إن الرجل في طريقه إلى بلدٍ آخر، فأنتم أبعدوه من البلد، واعتبروا تأشيرته كأن لم تكن، ولا تزعجوا أنفسكم بتحقيقٍ ومحاكمةٍ، فوافق المدير، ولكن ليس من صلاحيته إلغاء القضية.
يقول جون: فكتب لي الشيخ كتاباً، أخذته وأنا فرح لمدير المركز، الذي قابلني فوراً، وأنهى الإجراءات بعد اسـتلام كتاب الشـيخ، وسـمح للرجل بمواصلة سفره مع عائلته في اليوم نفسه.
ويذكر الشيخ فيصل بن قاسم آل ثاني قصةً عن مقاولٍ لبنانيٍّ مسيحيٍّ، حدثت له مشكلة مع واحد من الشيوخ بسبب رفضه دفع الدفعات الأخيرة من حقوق المقاول، فرفع الرجل دعواه للشرع أمام الشيخ ابن محمود، الذي أمر بإعطائه إحضارية لخصمه، فحضر الطرفان أمام الشيخ، فأجلسهما أمامه.
وبعد الاستماع إلى الطرفين قال للمدعى عليه: هل تعترف بهذا المبلغ الذي يدعي به المقاول؟ فقال نعم، ولكنه ربح مني الكثير، وهذا خصمته مقابل ماربحه مني، فقال الشيخ: لقد اتفق معك على مبلغٍ معينٍ، فإذا كان الربح من ضمنه فهو حقه، وليـس لك أن تسلبه منه، فطلب يمين المقاول أن المتبقي حقه، فقال الشيخ: هو قدَّم أوراقه وبيِّنته، واليمين تتوجه إليك بأنك سلَّمته جميع حقه، عندها استعد الرجل لسداد بقية المبلغ، وأحضره في اليوم نفسه للمحكمة، واستلمه الرجل.
وقد تأثر هذا المقاول لهذا الموقف، وقال: أنا مسيحي أجنبي، وينصفني القضاء الشرعي من مواطن صاحب نفوذ، بل أحصل على حقي خلال ثلاثة أيام، أين يوجد هذا؟، ويقول الشيخ فيصل راوي القصة: إن هذا الرجل كان يصوم في رمضان مع المسلمين، ويفطر معهم وهو مسيحي.