سيرة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود رحمه الله

كان خطيباً مفوهاً تجمع خطبه الحكمة والفقه والتفسير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

طريقته في القضاء

كان فضيلته يبكر في الجلوس للقضاء قبل طلوع الشمس طوال العام، ما عدا أيام الجُمَع، وكان مع هذا قليل السفر خارج البلاد، ويبدأ جلسته ببحث وكتابة القضايا المعروضة أمامه في اليوم السابق، وبعد إنجازها يستدني الخصوم الذين تغصُّ بهم قاعة المحكمة في كثير من الأحيان، فيبدأ بحلِّ قضاياهم، ويجتهد في الإصـلاح بينهم ما وجد إلى ذلك سـبيلاً، ويسـاهم من ماله في الإصلاح إذا كان الخصم فقيراً.
وقد يتطاول عليه بعض الخصـوم برفع الصوت أو التجريح، فيتحمل منهم كل ذلك في صبر، وقد رفض عدة مرات وضع شرطة لتنظيم الدخول عليه؛ خوفاً من أن يردُّوا صاحب حاجة أو يمنعوا سائلاً.
وأكثر القضايا يحلُّها في جلسةٍ واحدةٍ أو جلستين، ويحرص في القضايا المتعلقة بالعقار أن يخرج بنفسـه لمعاينة مكان الخلاف، ويتأنى كثيراً قبـل إصدار حكمه حتى يتضح الحق والصواب فيقضي به..
وقد ذكر رحمه الله في إحدى رسائله منهجه في القضاء، ونصح إخوانه القضاة فقال: ’شُرع القضاء رحمةً للناس وراحةً لهم؛ لإزالة الشقاق بينهم، وقطع النِّزاع عنهم، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وردع الظالم، ونصر المظلوم.
لو أَنْصَفَ الناسُ اسْتَراحَ القاضي
وباتَ كُلٌّ عنْ أخِيْهِ راضـِي

فمن واجب القاضي أن يحتسب راحة الناس ورحمتهم في قطع النِّزاع عنهم، وأن يحتسب التبكير في الجلوس للناس، ويفتح باب المحكمة على مصراعيه، ثم يبدأ بالأول فالأول، كما نص على ذلك فقهاء الإسلام في كتبهم، ففي الحديث: ’مَنْ تَوَلَّى شيئاً مِن أَمْرِ المسلمين فاحْتَجَبَ دُوْنَ حاجَتِهِمْ وفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللهُ دُوْنَ حاجَتِهِ وفَقْرِهِ‘ [رواه أحمد والترمذي].
ولما بلغ عمر أن سعد بن أبي وقاص قد اتخذ له باباً، وحُجَّاباً يمنعون دخول الناس عليه، أرسل محمد بن مسلمة، وأمره أن يحرِّق باب سعد قبل أن يكلم أحداً من الناس.
فهؤلاء القضاة الذين يغلقون أبواب المحاكم عليهم، ويتركون الناس خلف الأبواب يغشاهم الذل والصغار، والقاضي غير مكترثٍ بهم، ولا مهتمٍ بأمرهم، ويمضي أكثر وقته في الحديث في مصالح نفسه الخاصة، وشهر للحج، وشهر للعمرة، وشهر للمصيف في الطائف أو لبنان مثلاً، ويترك الناس يموج بعضهم في بعض بالنِّزاع والخصام، لا يجدون من يقطع النِّزاع عنهم، وهو مستأجَرٌ لحلِّ مشاكلهم.. فهؤلاء بالحقيقة مخالفون لنصوص مذهبهم؛ فإن الفقه الإسـلامي يمنـع غلق الأبواب، ونصب الحُجَّاب دون القاضـي ودون الناس.
فافتحوا الأبواب، وسهِّلوا الحُجَّاب، وبكِّروا في الجلوس؛ حتى يسهل عليكم معالجة الخصام، وتنظيم الأحكام؛ فإن جلوس القاضي في محلِّ عمله لفصل القضاء بين الناس، أفضل من تطوعه بحجه وعمرته، وأفضل من صيامه بمكة؛ لأن جلوسه في محل القضاء واجب عليه، ومطلوب منه شرعاً وعرفاً، أما التطوع بالحج والعمرة فإنها ليسـت بواجبة عليه، ولا مستحبة في حقه، وقد لا تصح منه.
فلا ينبغي أن يهمل هذا الواجب المحتَّم عليه في محاولة التنفُّل الذي هو ممنوع منه شرعاً وعرفاً‘.
وكان الشيخ ذا فكرٍ ثاقبٍ وحكمةٍ ودرايةٍ بأحوال الناس، وقد وضع عدداً من الأسس والآراء الفقهية التي تيسِّر على الناس، والتي تخالف ما كان عليه عمل المحاكم في المنطقة، وذلك نتيجة لخبرته القضائية الواسعة، وتمكُّنه من الفقه، فقد كان أول من طبق في دول الخليج اعتبار الطلاق الثلاث طلقةً واحدةً، واعتبار يمين الطلاق يميناً وليس طلاقاً، وخالف رأي الجمهور حول الطلاق البدعي، حيث لم يضع له اعتباراً، وله الكثير من الآراء التي تسير عليها محاكم قطر، والتي حلَّت الكثير من المشاكل.
وجلوسه ليس للقضاء فحسب، فقد يأتيه من يستفتي في مسألة أو حكم شـرعي، كما يلجأ إليه أصحاب الحاجات الذين يطلبون معونتـه في الأمور المختلفة، فلا يبخل عليهم بالمساعدة التي يريدون.
وكان يهتم بعـدم تأخير صاحـب الحاجة، ويكرم الشاهد ولا يعطله، ويجهد نفسه لمحاولة الوصول إلى الحق، فإذا احتاج الأمر إلى وقوفه على محل النِّزاع فقد كان يواعد الخصوم، ويذهب إليهم عصراً بنفسه.
ومجلس الخصوم لديه واحد، فإذا جاءه أحد كبار القوم أمره بالجلوس مع خصمه على كرسي الخصومة أمامه.
وقد كانت له هيبةٌ لدى كبار القوم وصـغارهم، وكان له فضـل إعطاء الشرع احترامه، وإلزام الناس بحدوده وحقوقه، وكان له فضل حماية حقوق الضعفاء من تسـلط الأقوياء، خاصـة في وقت لم تكن فيه أجهزة الدولة قد تكاملت بعد..
وحكام البلاد يحترمون أحكام الشرع، وإذا كان لأحد منهم قضيةٌ حول حقوق عقاريـة أو ماليـة، ولم يتمكنوا من حلها عن طريق وكلائهم، فكانوا يحيلونها إلى الشيخ، ويلتزمون بما يحكم به.
ومما نُقل عنه أنه ذهب لنظر قضيةٍ في الشمال بين أحد الشيوخ وأحد المواطنين، وكان من عادته أن يقف بنفسـه على موضع النِّزاع قبل البتِّ في الدعوى، فلما علم الذي رُفعت الدعوى في مواجهته أن الشيخ سيأتيه أعدَّ له العشاء كالعادة، حيث إن المنطقة بعيدة عن الدوحة، فلما حضر الشيخ قال له: يا شيخ! ترى حضَّرنا لك العشاء، فقال: أنا لم آتِ للعشاء، وإنما لنظر دعواكم، وبعد أن انتهى من الدعوى ركب سيارته وعاد بدون أن يتناول العشاء؛ فقد كانت تسويته بين الخصوم تقتضي أن لا يقبل دعوة أحدهما دون الآخر.
وكان ـ يرحمه الله ـ يرفض قبول الهدايا؛ لكون القاضي يجب أن يبعد نفسه عن أي شبهة.
وطلب منه أحد حكام قطر السابقين توثيق عطاءٍ منه لأحد أبنائه، فسأله: هل أعطيت باقي أبنائك مثله؟ فقال: لا، فرفض الشـيخ توثيق هذا العطاء، وقال: أشهدْ عليه غيري.
ويقول الأستاذ محمود الرفاعي ـ مدير أوقاف الزرقاء بالأردن، والذي عمل في قطر ـ: ’إنه ـ مدَّ الله في عمره ـ رغم كبر سـنِّه فهو دؤوبٌ، لا يملُّ ولا يكلُّ، يجلس للقضاء مبكراً، وربما يسبق جميع الموظفين، ثم ينتقل ما بين حلٍّ لمشاكل المراجعين العضال، وبين القضايا الأخرى، إلى مدِّ يد العون والمساعدة للمعوزين، وجبر خاطر المكروبين، وبين القلم والقرطاس، يكتب بيده، ويملي على غيره، أضف إلى ذلك قوة الحافظة متَّعه الله بحواسه، ومدَّه بالعافية من عنده، فقد ترانا نبحث عن حديثٍ في بطون الكتب، فيكفينا المؤونة، وبهمةٍ شابةٍ تتحرك جوارحه، وما هي إلا دقائق حتى تكون البغية حاضرة.
والأهم مما مضى هو وقوفه على الحق، فإذا أيقن بالدليل والحديث، فإنه يضرب صفحاً عما كان يرد من كلامه، ويثبت ما صحَّ لنا من الرواية‘.