سيرة الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود رحمه الله

كان خطيباً مفوهاً تجمع خطبه الحكمة والفقه والتفسير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

تولِّيه القضاء في قطر

في منتصف ذي القعدة من عام 1359ﻫ قدم الشيخ عبدالله بن قاسم آل ثاني ـ حاكم قطر ـ إلى مكة قاصداً الحج، وبصحبته ابنه وولي عهده الشيخ حمد بن عبدالله، وعددٌ من كبار أفراد الأسرة الحاكمة والأعيان.
وبعد أداء فريضـة الحج طلبا من الملك عبد العزيز آل سعود أن يبعث معهم برجلٍ يصـلح للقضاء والفتيا، حيث كانت قطر في ذلك الوقت بدون قاض، بعد أن غادرها الشيخ محمد بن مانع، الذي طلبه الملك عبد العزيز من الشيخ عبدالله بن قاسم ليتولى الإشراف على التعليم في المملكة الوليدة، وقد وقع اختيارهم على الشـيخ عبدالله بن زيد بإيعازٍ من الشيخ محمد بن مانع، الذي رشَّحه لما رآه منه من سعة العلم والاطلاع.
وقد استدعاه الملك عبد العزيز، وأمره بالسفر مع الشيخ عبدالله بن قاسم لتولِّي القضاء في قطر، فحاول الاعتذار، ولكن الملك أصرَّ عليه، فتوجَّه إلى قطر في السنة نفسها، حيث تقلَّد أمانة القضاء في 15 من ذي الحجة عام 1359ﻫ (1940م)، وكان عمره في ذلك الحين ثلاثين سنة.
كانت الفترة التي تولَّى فيها الشيخ القضاء هي في بداية تكوين الدولة، وكانت أجهزة الحكومة بسيطةً وقليلةً، وإمكانياتها محدودة، وقد مرَّ عليها ظرفٌ اقتصاديٌّ صعبٌ مع انهيار اللؤلؤ الطبيعي، الذي تسبَّب في ضررٍ كبيرٍ لاقتصاد دول الخليج.
وقد تولَّى الشيخ القضاء مع نشوب الحرب العالمية الثانية التي استمرَّت سـت سنوات، والتي ضاعفت المشاكل المالية لدول الخليج حيث انقطعت المؤن التي كانت تصل عن طريق البحر، وأدى ذلك إلى ازدياد نشاط التهريب، وارتفعت أسعار السلع إلى ثلاثين ضعفاً أو أكثر، مما تسبَّب في عجز الكثيرين عن توفير لقمة العيش، وكثرت الوفيات بسبب الجوع والأمراض.
تصدَّى في بداية عمله للكثير من المشاكل المعقدة والمزمنة، وبعضها خلافاتٌ تراكمت عليها سنون لم يتم حلها، فكان موفَّقاً في حلِّ أي مشكلةٍ مستعصيةٍ، وقد استطاع في مدةٍ وجيزةٍ أن يحلَّ الكثير من الخلافات القبلية، خاصةً في مناطق الشمال، بحيث استقرت العلاقات بين القبائل هناك.
وقد اشتهر في قضائه بتحري العدل والنَّزاهة، وكان لا يفرِّق في قضائه بين كبيرٍ وصغيرٍ فالجميع أمام الحق سواء، ويتناقل الناس كثيراً من المواقف التي حكم فيها لصالح أشخاصٍ ضعافٍ ضد شيوخٍ ووجهاء.
وهو يعتبر ـ بحق ـ مؤسس القضاء الشرعي في قطر، حيث وضع نظام تسجيل الأحكام والقضايا لحفظها، ولم يكن القضاة قبله يسجلون أحكامهم في سـجلاتٍ، أو يكتبون الأحكام في صـكوك، وإنما يكتفون بكتابة ورقةٍ مختصرةٍ في يد صاحب الحق تثبت حقه، ولا يوجد مايقابلها لدى القاضي.
وذكر الشيخ زهير الشاويش أن الشيخ محمد بن مانع قال للشيخ علي ابن عبدالله ـ حاكم البلاد في حينه ـ: ’عليكم بالشيخ ابن محمود؛ فوالله إن ذهب أو ترك فلن تجدوا مثله‘.